فيديو

معركة العلم والخرافة

يصوّر لنا المشهد القصير بلدةً آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان

تصميم المدينة على شاطئ البحر ومن خلفها سفح جبليّ تتصدّى الكنيسة للقادم منه لأنها أوّل بناءٍ من جهة الجبل

هناك صخرة في الأعلى ذاهبة لتدمير المدينة بسرعةٍ تراكميةٍ متزايدةٍ خاضعةٍ لقوى الثقل والجاذبية، يأتي الرجل الصخري منافحاً عن المدينة ليقف في وجه الصخرة وتبدأ محاولات إيقافها بكلّ عزمٍ وحزمٍ وقوة، اخيراً يتمكّن هذا البطل من حماية المدينة لكنّه وأثناء معركته مع الصخرة قرع بكعب قدمه الجرس فسقطت الكنيسة!

أهل المدينة يرون المشهد من جهتهم، وراحوا يضربون ‘منقذهم’ ويقذفونه بالحجارة والقنابل معتقدين بجهلهم وقصر نظرهم أنّه عدوّهم
سرعان مانفذ صبر صاحبنا فتنحى كما يريدون تاركا مصيرهم لصخرة مجنونة سحقت مدينتهم وأحالتها رمادا وركاما

——————————————-

هذا المشهد كما تراه عينٌ مجردةٌ لم تذق طعم الفلسفة والمعنى مرّةً!

كثيرون حاولوا تأويل المشهد بما يتوافق مع رؤاهم ووجهات نظرهم وأنا أحد أولئك، سأبرز مدى روعة وقوّة الصورة في التعبير واختزال المعاني وتزخيمها

يعيش أهل هذه المدينة حالة من العزلة والجمود في جزيرة

الصخرة كتلة من الخرافة والجهل والتخبّط الذي سيدمّر البلد وأهله، والرجل الصخري هو العلم والمعرفة الذي يواجه هذه الخرافات بقوّة ويفتك فيها، قفزاته راسخةٌ متماسكةٌ، عيناه ثاقبتان يعلم مايفعل، لا يتخبّط أو يتدحرج وفق حركةٍ عشوائيةٍ مؤلمة

يصارع الجهل والخرافة فيتمكّن منه، لكنّه وأثناء معركته هذه يهدم خرافة الطقوس والشعائر الفارغة التي يحسبها أهل المدينة تديّناً صحيحاً ينجيهم من المتاعب التي يقذفهم بها الجبل كلّ حين

فالطّاعون والحصبة والكوليرا أمراض حاولت الكنيسة معالجتها وصدها بخرافاتٍ وطقوسٍ قالوا أنها الدين .. ولم تستطع بل ضاعت وأضاعت

ثم جاء العلم فقهرها جميعاً وأراح الإنسان من أقسى معاناته وأشدها ألما في تاريخه الطويل على هذه الأرض

يحاول المتقوقعون بعقولهم وتفكيرهم في حدود جزيرة -قد تكون جزيرة الطمع، الخوف، الغباء أو أياً كان المهمّ أنهم لا يفكّرون خارج هذا الإطار- يحاولون تقديم فهمهم السطحي الساذج للدين على أنّه الحل لمشكلات الإنسان، وكثيراً ماسمعنا ‘الإسلام هو الحل’ ثم لا شرح ولا تعقيب ولا خطّة واضحة تسعى لإسعاد الإنسان ورفاهيته وتأمين غذائه ودوائه ومسكنه الآمن .. فقط هكذا شعارات براقة مجوفة لا خير فيها

يحاولون بناء طقوسهم الدينية على سفح الجبل لتحميهم من كوارثه وإن هم إلا يخرصون!

يأتي العلم ويمسح عن الإنسان آلامه وجراحاته بمعول الكشف والتجربة والمشاهدة وغايته كشف أسرار الكون وسبر أغواره ليتعرف من خلال ذلك على نفسه وموقعه من الحياة والكون والله

في طريقه لتحقيق ذلك يتصادم وبعنف مع أدعياء الدين وأرباب الطقوسية والشعائر والمظاهر الفارغة، ينجم عن هذا التصادم سقوط مدوٍّ للكنيسة والتديّن الأحمق والخرافة البغيضة

نلاحظ أنّ الصخرة والرجل الصخري من أصل واحد وهذه إشارة حملتُها على أنّ حياة العلم أو الجهل تحمل طابعاً مشتركاً هو المعاناة والكدّ والتعب في هذه الحياة لكن أناساً عرفوا عظمة الخالق فأعملوا العقل ليشقّوا به طريقهم في هذه الحياة بانتظام وتشكيل الرجل الصخري، وآخرون لا يعرفون معنى “الله” حقاً وبعمق راحوا يتيهون في الأرض أربعين إثر أخرى فتشكّلت صخرة صمّاء لا يد لها تحمل وتعين ولا قدم تسيّرها بحركة مقصودة مضبوطة ولا رأس ولا عينان تبصران

“حياة الجاهل صخرة صماء وحياة العالم إنسان”، كلاهما من أصل واحد لكن الفرق أن العالم عرف معنى (ونفخنا فيه من روحنا) فعمل بها وحمل الأمانة وكان خليفة الله وحامل الجوهر الرباني في تكوينه .. العقل والقلب

——————————————-

تذييل لابدّ منه:
– قد يتوهم البعض أنني أضع العلم والدين في ثنائية متضادة يلغي أحدها الآخر حكماً، وهذا غير صحيح من أكثر من ناحية لكن ما نشير إليه هنا هو تصادم الخرافة المحمولة على الدين قسراً وظلماً مع العلم والمعرفة

– الكنيسة رمز للمسيحية، وقرع الجرس من طقوسها لكنّ ما ينطبق على المسيحية يمكن إسقاطه تماماً على كلّ الديانات، فمع الأسف لم يخل دينٌ من غزو الجهل والخرافة وبله الأتباع

– قد يتحامل كل متحذلق على العلم والمعرفة ويدعيهما لنفسه وهو من أدعيائها البله كما في ساحة الدين تماماً، وأزيد أن كثيرين يعتقدون أن العلم يمكن اعتباره أيديولوجيا تخلق وتوجه أفعال المنضمين تحت لوائها وهذا جهل بحقيقة الكلمة ومعناها وبشروط الأيديولوجيات وتكوينها

– العلم لا يخلق الظاهرة، فهي موجودة من قبل ومن بعد، إنما يكشف اللثام عن حقيقة تركيبها وفقاً لنظام الكون المتناسق والمنتظم انتظاماً حركياً فعالاً