ثنائيّة المثقف والشارع

ثنائية المثقف والشارع لاتزال تشغل أقلام الكتّاب والمفكّرين وتملؤ صفحاتهم بحثاً ودراسة، يمكن إجمالها بوجود تيارين اثنين :

أحدهما يشترط على المثقف أن يعيش على نبض الشارع وهمومه ومشاغله، وأن يكتب في إطار الواقع المألوف للناس والذي يلامس حياتهم اليومية وهموم مستقبلهم وتاريخهم.

والثاني يشجّع المثقّف على عدم الانخراط في البيئات العامة والشعبويّة حتى لا يجرفه تيّارها فتتماهى أفكاره ورؤاه مع مصالح الناس وأهوائهم ويصعب التمييز عندها بين فكرة جاءت عن قناعة المثقف وتبعاً لمنظومته الفكريّة متعددة الأقطاب وبين فكرةٍ حثته على إفرازها قوّة الجماهير وسلطتهم ورغباتهم التي تطبّق قوى جذبٍ هائلة في ذهن وقلب المفكّر

والواضح أن الفضيلة وسطٌ بين كلا الرذيلتين لكنّ تحقيقها يحتاج جهاز توازنٍ فائقٍ وحساساتٍ ولواقط ذات جودةٍ عاليةٍ، ولن يتحقق توازنٌ كاملٌ مطلقٌ لا يعتريه النقد وعدم الإعجاب وسوء التقدير أحياناً لكنّه يقارب درجة الكمال ضمن حدودنا البشرية

لا يجدر بالمثقّف أن يتماهى مع رأي الشارع بدافع من إغراءاتٍ وعروضٍ وتحقيق المكاسب على كلّ صعيد؛ اقتصادي، اجتماعي، سياسي، وحتى عاطفي

أو قد يكون الدّافع أحياناً الخوف من تأليب الناس ونشر الفوضى المترافقة مع الأفكار المختلفة الجريئة القوية والمتمردة، أو كما يطلقون عليها الاصطياد في الماء العكر

وهناك دوافع أخرى كثيرة تجعل المثقّف يتخلّى عن فكرته أو يلبسها ثوب التودّد للجماهير والتزلّف لهم وينثني عن نشر ما يراه الحقيقة المُرّة

كلّنا لا يحبّ ان يخلق لنفسه المتاعب والصراعات لكن أمرا لا بد منه أن يتحلّى المثقف بروح التمرد أو الصراحة والوضوح التام ما يحمله على قول الحقيقة على النحو الذي يراه هو بعد بحثٍ ودراسةٍ وتمحيصٍ ويقدّم فيه الإدلّة والبراهين

لكنّ هذا أيضا لا يكفي .. نحتاج خطوةً أخرى تسدّ الفراغ الذي خلّفه إبعاد المثقف عن الشارع واحتجازه ريثما يخلق فكرته بعيداً عن تأثيرهم السلبيّ

إنّها طرح آليةٍ ما واقعيةٍ لتحقيق ما توصّل إليه بالبحث والدراسة مراعياً في ذلك طبيعة النّاس وحدود الزمان والمكان والتداعيات السابقة اللاحقة والمعاملات الأخرى التي تدخل في تشكيل الفكرة وبنائها

وأنا أرى أنّه ليس ضربة لازم أن يحتمل المثقف كل ذلك وحده، وأنه يمكن -بل يجب- أن يقوم بهذا الدّور مجموعة من المتخصّصين في مجالات متعددة تتكامل معاً وعلى طاولة مستديرةٍ لصنع قرارٍ أو استخلاص صيغةٍ ملائمةٍ تماماً

نريد للفكرة أن تكتب بأقلامٍ لا بقلم، وبعقولٍ لا بعقل، وبقلوبٍ لا بقلب، وبشخصياتٍ متعددةٍ لا شخصيةٍ وهوى متفرد ..

خلاصة:
لا ينبغي إهمال حاجات الناس ومشاعرهم وتأثير بيئاتهم حين يتوجه المثقّف في خطابه للشارع، كما لا يحسن رميه هكذا في أروقة المجتمع ليعيش شعورهم

فالإنسان، مهما يكن، كائن مؤثّر ومتأثّر بالآخر وفي آنٍ معاً

تكميم المعرفة

كثيراً ما يدور في ذهن المهتمّين بالثقافة والمعرفة -ومن هم في أوّل الطريق- سؤالٌ من قبيل (ماذا أقرأ؟)؛ والوجه الآخر للسؤال هو سؤال داخليّ يتردّد صداه في العالم الخارجي على هذا النّحو، أمّا السؤال الداخليّ فهو الحاجة إلى تلك المعرفة التي يتحقّق للإنسان معرفة ذاته -والعالم من حوله- بها، وتمكّنه من الإجابة عن أسئلة الحياة الكلّية، وتفكّك له كلّ التناقضات التي تسلب النوم من عينيه كلّ ليلة

باحثين عن تلك الوصفة السحريّة يقضون أوقاتهم متخبّطين بين صفحات المثقّفين الذين علا صوتهم ولمعت أسماؤهم في فضاء التنظير للحياة الاجتماعيّة، والقضايا المستجدّة في كلّ شأن من شؤون الحياة

والحقّ أنّ شبابنا لا يعانون من نقص حادّ في القراءة والاطّلاع -على وجه العموم- إنّما الذي يتصدّر قائمة الأمراض هو غياب السياق وفقدان البوصلة، الأمر الذي يجعل القراءة أشبه بالدوران حول محور ثابت يشعر معها القارئ بالحركة لكنّه في واقع الأمر يراوح في المكان وحسب!

ولشرح معنى غياب السياق وفقدان البوصلة وتسليط الضوء على بعض جوانبها وأعراضها كانت هذه المقالة:

حين تطلب من عالم رياضيات أن يعطيك أكبر عدد على وجه الأرض؟
سيجيب بنبرةٍ ساخرةٍ اللانهاية (∞) وهي رمز رياضيّ للتعبير عن اللا محدود وغير المتناهي فكلّما قلنا هذا الرقم أكبر يمكننا ببساطة جمعه لنفسه فيتضاعف ويصبح الناتج هو الأكبر وهكذا

بينما لو طلبنا من مستثمر أو بائع تفاح أن يعطينا أكبر عدد من “التفاح” على وجه الأرض؟
لكان الرد -على فرض أن جمعها ميسور ممكن- كمّيات هائلة من التفاح بحيث سيصل عدد الحبّات -مهما كان كبيراً- إلى نهاية حتماً

إذن لا وجود لأكبر أو أصغر عدد في فضاء الرياضيّات ولا معنى لهذا الكلام أصلاً، لكن في فضاء الواقع هناك نهاية حتميّة لأي عدد مرتبط بمادّة

إنّ عمليّة ربط العدد المجرّد بالمادّة تدعى بتكميم المادّة، وهي ترجمة لكلمة (Quantization) مصطلح شائع في الفيزياء والهندسات والعلوم التطبيقيّة

ما يعنينا من هذه المقدّمة هو استنساخ فكرة التكميم في فضاء المعرفة بمفهومها الواسع والممتد، فالمعرفة -كما العدد- قد تكون مجرّدة لا تخضع لسياق ما وقد تكون مكمّمة ترتبط بالواقع كمّاً وكيفاً، وسنأتي على شرح ذلك من خلال الأمثلة المتعدّدة والوجوه التي تحملها كلمة معرفة

في العالم الافتراضي، يقدّم الفيس بوك لمستخدميه ثقافةً ومعرفةً -تختلف بحسب اهتمامات كل مستخدم ورؤيته ومفهوم الثقافة والمعرفة لديه- وتتمثّل بالمنشورات التي تنهال على صفحته في آخر الأخبار ومن خلال المجموعات والصفحات، وبصرف النظر عن سلبيات الفيس بوك وإيجابياته أو حتى ماهيّته، فإنّ هذه المعرفة المقدَّمة هشّة وغير مكمّمة وبالتالي لا تفيد في بناء الإنسان المثقف، بل لا تقوى هذه الثقافة على بناء رؤية واضحة ومنظومة فكرية متكاملة لدى الإنسان

على العكس من ذلك فإنّ المواقع والمدوّنات -التي عادت لتحتلّ مكانتها الطبيعية بعد أن اهتزّت قليلاً بمواقع التواصل الاجتماعي- تقدّم للقارئ معرفةً مؤطّرة ومبوّبة يمكن تصفّحها مقاصدياً وبطريقة مدروسة غير عشوائية، فالمعلومة حين تأتي ضمن سياقها مسبوقة بفكرة ممهّدة ومتبوعة بإسقاطات عليها تنتج وتثمر، أما الأفكار المغتصبة من هنا وهناك بغرض التجميع والظهور بمظهر المثقّف الموسوعي صاحب المعلومات الوفيرة والأفكار الغزيرة فلا تعدو أن تكون كما يقول الشاعر: (ألقاب مملكة في غير موضعها .. كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد)

والسياق هنا ليس المقصود منه تسلسل عرض الفكرة وعنونتها وتبويبها وحسب، بل إن القارئ جزء من بناء السياق الذي ستثمر فيه براعم الأفكار، فالمعلومات والأحداث المرتبطة بالفكرة والمشاعر والاختلاجات النفسية التي تصاحبها والتي ينبغي أن يلمّ بها القارئ ويدرسها -ويعيشها كتجربة واقعيّة في بعض الأحيان- سماد جيّد لتخصيب السياق

من ذلك الأفكار المرتبطة بحالات الفقر والحرب والحبّ مثلاً، والتي لا يمكن إدراكها على حقيقتها إلا من خلال معاينتها عن قرب، والسبب يعود لارتباط الفكرة بمشاعر وجدانيّة على طول الحالة.

ولتقريب الفكرة يمكن طرح العديد من الأمثلة الأخرى أيضاً، فهذه العلمانيّة العربيّة جاءت مبتورة السياق حتى وقت قريب، تدور في فلك التقليد واستنساخ تجارب الدول المتقدّمة بحثاً عن الحل، لكنّها أغفلت مسألة دراسة العلمانيّة الغربية من حيث سبب ظهورها والحاجة إليها رداً على عصور الظلمة وسلطة الكهنوت.

إنّ الكتب التي تجمع معلومات شتّى تحت عناوين برّاقة (كذا وكذا معلومة مفيدة)، أو المسابقات أو ألعاب سؤال وجواب وما شابهها لا تقدّم معرفة حقيقية ولا تبني في المرء إنساناً صاحب رؤية، وغالباً ما يكون غرضها تسويقيّ ربحيّ، قد تفيد إن بقيت ضمن إطار اختبار الثقافة الموجودة أساساً لكن اعتمادها مصدراً للتثقيف -كما يفعل معظم الناس- جهالةٌ وبله

قد يصمد حاصد المعرفة بالطريقة التجميعيّة هذه، وقد يجد في المجتمع من يحترمه وتنطلي عليه الحيلة لكنّ اختبارات الحياة العمليّة ومواقع المسؤولية ستحطّم آماله وتسفّه أحلامه، ستجبره القرارات المصيرية على مراجعة الذات أو السقوط في الظلمات.

لا يخفى على كلّ مطّلع الفرق بين الفتوى والحكم في سياق الفقه الإسلامي، فالحكم بحرمة الشيء أو بإباحته يختلف عن الإفتاء، ذلك أنّ الإفتاء يخضع لسياق محدّد بزمان ومكان وأشخاص يتعيّن على المفتي أن يلمّ بها جميعاً.

إذن؛ إنّ تشييد برج الثقافة وبناء المنظومة المعرفيّة ينبغي أن يخضع لقواعد السياق بعيداً عن محاولات التقليد الأعمى واستنساخ تجارب الغير -إن جاز تعريفها بـ أل- أو اجتزاء المشاهد من غير الوقوف على كامل القصّة.