رؤية أخرى لبناء الروبوت

تردّدت كثيراً في اختيار عنوان للمقالة بعد اكتمالها ثم انتهيت إلى اعتبارها رؤية مختلفة لبناء الروبوت اعتماداً على الكائنات الحية، غرضها الإجابة على السؤال التالي

ماذا عن توظيف الخلايا الحيوية لبناء أجهزة أكثر ذكاءً وكفاءة؟

إنّ سعي الإنسان خلف هذا الكون حاملاً معول العلم للتنقيب عن أسراره يبهج الفؤاد ويبعث السعادة في النفس، عدا عن كونه تحقيقاً عملياً للغاية الإلهية من الخلق، فالاختلاف سمة الكون الظاهرة فيه والدقّة والانتظام في تراكب المكوّنات وتجمّعها يثير الدهشة ويحثّ على تتبّعه والكشف عنه

ليس الانتظام هنا مرادفاً لكلمة (static) والتي تحمل معاني الجمود والقولبة والبنى الجاهزة التي تفتقر للحياة والتجدّد والتشكّل مرّة بعد مرّة، لا لا ليس ذاك إنّما هي حركة ذات إيقاع يغريك بتتبّعه وكشف اللثام عن أسراره مع غموض مغرٍ وممتع

يمكنني تشبيه ما يحدث بجملة من المعاملات التي تتأثّر ببعضها تبعاً لتوابع متغيّرة، وهذا ما يذكّرنا بقطّة شرودينغر، أو الفيزياء الكمومية

ومن صور هذا السعي محاولة الوصول إلى آلة شبيهة بالإنسان بحيث تجتمع فيها الوظائف الحيويّة من سمع وبصر وفؤاد

إنّ مجال الذكاء الصنعي -المكرّس تماماً لهذه الغاية- يتقاطع مع معظم العلوم والمعارف الإنسانية منها والتطبيقيّة، لا سيّما تلك التي تكشف عن ماهيّة الوظائف الحيويّة عند الإنسان والآلية التي تعمل بها، وذلك بغرض نمذجتها ومحاكاتها عبر الأدوات والتقنيات الصناعية المتطوّرة

فمثلاً لنمذجة الرؤية الحاسوبيّة -عينا الروبوت- ينبغي فهم وتحليل آلية الرؤية عند الإنسان بيولوجيّاً، الأمر الذي يأخذنا إلى ساحة الفيزياء، هكذا كلّما اردنا معرفةً أعمق تطلّب الأمر منّا بحثا أكبر حتى نصل إلى ميكانيكا الرؤية -إن صح التعبير- من تحليل لأطياف الضوء والمساحة اللونيّة والعصيّ والمخاريط والإسقاط الشبكي وتفسير السيّالة العصبية البصرية في الدماغ و إلى ما هنالك

إذا ما انطلقنا من نقطة بناء الروبوت، فمع كلّ خطوة تتشعّب بنا الطرق وتتفرّع، وكل فرع يأخذنا إلى تفريعات أصغر وأكثر عمقاً ولا ندري هل للأمر نهاية أو لا؟
سنفترض أنّنا وصلنا إلى تصوّر علميّ معمّق عن آليّة عمل الرؤية لدى الإنسان واستطعنا فهم معاملاتها كلّها وغرض كلّ منها والإضافات التي يقدّمها كلّ معامل في إطار تحقيق هذه العمليّة، ولنتابع حديثنا خطوة واحدة فقط إلى الأمام

بعيداً عن كلّ ما ذكرنا، فإنّ تحدّياً أعظم بانتظارنا وهو كيف يمكننا بناء النموذج المحاكي؟ وما هي الأدوات المتوفّرة بين أيدينا؟ وهل يمكننا الاعتماد عليها؟ وإلى أيّ مدى؟ .. كلها تساؤلات ذات دلالات وهي تحتاج منّا إجابات دقيقة صادقة

حتى الآن فإنّ عناصر الأجهزة التقنية والذكيّة -نوعاً ما- من دارات الكترونية ومنطقية وخلايا ضوئية وحسّاسات، كلّها تخضع لقوانين الفيزياء، وهي محدودة الأداء ومقيّدة جداً وخير مثال على ذلك صناعة المعالجات وما تعيشه من حالة قصور وتباطؤ فيما لو استطعنا الخروج من حدود الآلة وإمكانياتها الهزيلة

ظهرت دراسات مكثّفة، وبنيت مخابر أبحاث عديدة تُعنى بدراسة ما يعرف بـ (الوحل شبه الذكي)، كل هذا لأجل مخلوق بسيط من عدّة خلايا لا يكاد يُرى بالعين المجرّدة (Physarum polycephalum)

يميل هذا الكائن إلى العتمة والرطوبة وغذاؤه المفضّل عصيدة الشوفان، ويتمدّد هذا الكائن حيثما وجد الطعام مشكّلاً توصيلات وعقد، العجيب في هذا الكائن أنه يبحث عن الطريق الأقصر والكلفة الأقل لبناء شبكة من الوصلات بين قطع الشوفان! وهذا السلوك مطابقٌ تماماً لمسألة شهيرة جدّاً في الخوارزميات وتعرف بـ مسألة البائع الجوّال
(TSP::Travelling Salesman Problem)

لحلّ هذه المسألة هناك خوارزميات عديدة درجة تعقيدها عموماً (n)، لكن هذا الكائن يستطيع حلّها ببساطة وهو يبحث عن طعامه، وحتى الآن يحاول العلماء تفسير ذلك بطريقة علميّة، لكنّ ما يهمّني هنا ليس تفسير الظاهرة وسبر غورها بقدر ما أهدف إلى لفت أنظار العالم إلى هذه الأداة الحيويّة العظيمة
ربّما -كرؤية خارج إطار السائد والمتعارف عليه- نستفيد من هذه الأدوات الحيويّة في صناعة الأجهزة الذكيّة والتقنيّة، تعِدُ هذه الخطوات ومن الناحية النظريّة بتحقيق إنجازات عظيمة وقفزات نوعيّة في مجال التكنولوجيا والتقدّم العلمي

إنّ أي شيءٍ من صنع الإنسان يفتقر إلى الروح، وإلى الحياة والتجدّد، لذا نجد عجزاً واضحاً فيها للتعبير عن الوظائف الذكيّة كمعالجة اللغة والرؤية والتعلّم الآلي

لاشكّ أن أي طالب هندسة قد سمع شيئاً عن مثلّث (الكلفة والأداء والزمن) وعن الموازنة الدائمة بينها لتحقيق شيء من الأمثلية الواقعيّة، وسبب هذه الظاهرة بالدرجة الأولى حدود الآلة والمعدّات الصناعيّة
والسؤال المهمّ هنا هو ماذا لو تمكنّا من جعل هذه الخلايا -ذات الوظائف الحيّة والجزئية- تشارك في إنجاز عمل ما يتطلّب ذكاءً وكفاءةً وسرعة في آنٍ معاً؟

ربّما هي تكهّنات لكنّها تستحقّ التجربة لأنّها ستعيد بناء فهمنا للتقدم التكنولوجي وتربطه بتحدّياتٍ أخرى

لعلّ سائلاً يقول: وكيف سيتمّ ربط كلٍّ من دخل وخرج هذه الأداة مع بقيّة الأدوات في المنظومة لإتمام عملها
والجواب الأوّلي على هذا أنّه ليس هناك حلول بسيطة وجاهزة دوماً .. علينا أن نسعى ونبحث حتى نصل إلى ذلك، فالجواب إذن سيخرج من مركز بحثي مختصّ وليس من هاوٍ يكتب قدر ما ترى مخيّلته!