الأقنعة ومستحضرات التجميل

كانت كذبةً محكمةً حين قالوا أنه “قناع أخضر، قناع جميل، قناع ليس له مثيل” .. ابداً

ليس هناك قناع جميل مطلقاً، بل إن التقنّع نقيض الجمال، القناع رديف كلّ من الخداع والتناقض والتلوّن والعبث فأين الجمال في ذلك كلّه؟

لا أدري متى بدأت فكرة مستحضرات التجميل لكنّها سقطة من سقطات الإنسان في عالم الحياة، رغم ذلك فالسقطة المدوّية لم تكن هنا بل إنّها في ما يعرف الآن بـ “طبّ التجميل”، حين يوضع هذا العلم في سياقه العمليّ والتنفيذي لا يمكن أن يكون تجميليّاً

ما يدعوني للتفريق بين مرحلتي هذا العلم النظرية والتطبيقية تلك الهوّة الواسعة بين مقاصده حين بدأ وما وصل إليه الآن

من الطبيعي أن يتّجه العقل الطبّي وبكلّ قوّته باحثاً عن لمسة شفاء لجرحى الحروب حتى يتجاوزوا الإعاقة والتشويه ويندمجوا من جديد في المجتمع وهم بحالة صحيّة ونفسيّة جيدة، لكن استخدام أدوات هذه الغاية النبيلة في الخداع غير مستساغ، بل إنّه تعدٍّ على العلم وغايته

لقد فعل بنا السيليكون الأفاعيل، ليس على مستوى عمليات التجميل القبيحة وحسب، بل إن معظم الخطب والمقالات والكتب والحوارات محشوّة بمادّة السيليكون

اقترحت مرّةً أمام أصدقائي أن نضع في قاعة المطالعة -المخصّصة للدراسة- في كلّيتنا جهازاً يلتقط الجمل المفيدة، وراهنت أنه سيخرج لنا بجملة أو اثنتين نهاية كلّ أسبوع، وباقي الكلام إمّا كذبة صريحة أو كذبة مغلّفة بالأقنعة لتحقيق غايات شتّى

يمكننا وضع الجهاز نفسه على المنابر التي يصدح بها الخطباء بصوت الواثق العارف الذي يظنّ أن الحكمة ولدت من بين شفتيه، لكنّ مراهنتي هذه المرّة أشدّ، سيحترق الجهاز فالمهمّة المسندة إليه فوق ما يحتمل!

وحتى لا يبتلعنا داء التعميم أقول إلا ما رحم ربّي

يعنون الدكتور أحمد خالد توفيق مقالته بـ “خداع النفس فن” ويذكر لنا خلالها مشاهد مضحكة من خداع النفس بعد تعريتها من طبقات الزيف وتكلّسات الأكاذيب، يمكنك الاستمتاع بقراءة المقالة وإن شئت الفائدة مع المتعة يتوجّب عليك أن تعيش لحظة صدق مع نفسك، لحظة واحدة بعيداً عن كلّ الأقنعة ومستحضرات التجميل، ستجد ذلك صعباً في البداية لكنّه مريح وممتع .. ستشعر بالسعادة تفيض بين جوارحك وبروعة الصدق تتسلّل إلى أعماقك

لا أريد أن أرتدي قناعاً أمامك؛ فأنا لم أستطع فعل ذلك

لقد قرأت المقالة واستمتعت بها ثمّ تجاوزتها إلى غيرها باسماً دون حراك، غير أنّها حرّكتني لإضافة بضع سطور صادقة

حين بدأت الكتابة عن “الأقنعة” قلت في نفسي لا يستحق الموضوع تدوينة كاملة، إن هي إلا كلمات يسيرة، لكن ومن خلال المتابعة والتعميم رأيت أن الأقنعة منتشرة بشكل لا يصدّق في حياتنا وأنّها تستحق مع القول فعلاً

كم من بائع حليب يخلط اللبن بالماء، كلنا نبيع اللبن مخلوطاً بالماء
كم من قيس يطوي الليل بطوله ينسج قصيدة غزل معسولة ليواجه بها ليلى في الصباح، يجمّل نفسه أمامها فيحسّن ألفاظه ويهذّب حركاته، يسوّق لنفسه كأنّه استجمع كلّ خصال الخير
كم من استاذ محاضر يرتدي قناع العلم ليحقّق لنفسه شهوة الظهور باسم المعرفة والعلم، كم من ‘شيخ‘ يرتدي قناع الدين ليمرّر مصلحته باسم الله والدّين، كم من حاكم يرتدي قناع الديمقراطية ليمرّر مشروعه باسم الشعب والديمقراطية كم وكم؟!

يخيّل إلينا أنّ كشف الأقنعة وتلمّس المشاعر الصادقة لدى الناس أمر شبه مستحيل لذا تبدأ نظريات التعميم بإحالة كلّ مشاعر الناس وحقائقهم لمستنقعات الكذب والرذيلة، أو إحالتها لواحة الصدق والفضيلة، وكلاهما غير صائب
صحيح أنّ الأقنعة ظلمات بعضها فوق بعض لكنّ شعاعاً من نور الحقيقة يبدّدها كلّها، لن أتكلّم في الروحانيات والغيبيّات، فقط سأشير إلى تلك الحاسّة -السابعة أو العاشرة أو أيّاً كان ترتيبها- التي تتبيّن من خلالها صدق المرء من كذبه
أمر لا يمكن وصفه .. فقط يمكننا الإحساس به، فليعتبرها المؤمنون بالعلم قرون استشعار للعواطف والأحاسيس والمشاعر الصادقة

المشكلة أنّ هذه الحاسّة معرّضة أيضاً لداء التقنّع، فقد يوظّفها صاحبها لإشعاره بصدق الكاذبين أو كذب الصادقين بحسب رغبته وشهوته هو فتستحيل بذلك قناعاً بدل أن تكون أداة لكشفة الأقنعة
ليس أمراً مستغربا فقد فعلوا ذلك من قبل بالدّين والعلم والأخلاق، كلّها معرّضة لداء التقنّع، وعند كثيرين فإنّها مصابة بالفعل به، يوظّفون العلم والدّين والأخلاق لتحقيق غاياتهم اللا أخلاقية

ربّما تتساءل كيف للأخلاق أن تحقق للإنسان مكاسب لا أخلاقية؟
يحضرني في الإجابة على هذا السؤال مائة مثال ومثال، سأكتفي بالمثال وأدع لك المائة 🙂

حين ‘يتواضع‘ المرء طمعاً بإكبار الناس له وتعظيمه والثناء عليه، هو بذلك يستخدم وبصفاقة عجيبة خلق التواضع في إشباع شهوة الغرور لديه، حتى نخرج من هذا الداء سنحتاج إلى إعادة تعريف معادلة التواضع لتشمل هذه الحالة

مثال آخر حتى يفرط عقد المائة
حين يتعاطف معها ويمدّ يد العون لأنّه “إنسانيّ”، ولو أنّها كانت “هو” بدل أن تكون “هي” أو لو أنّها لم تكن شقراء الشعر زرقاء العيون لمات هذا الإنسان الذي في داخله وتحوّل إلى ذئب قبل اكتمال القمر!
ألم يوظّف خُلُق الرحمة والعطف هاهنا في شهوة وضيعة؟

mask

ليدقّق كلّ واحد فينا بما يقوله، سيجد أقنعة لا حصر لها

أن لا ترتدي القناع لا يعني بالضرورة أن تكون صفحة مكشوفة أو بيتاً مستباحاً يمكن لأي أحد أن يتجول فيه متى وكيف شاء!

يجب أن تكون للمرء مساحة خصوصيّة في الحياة اليومية العامّة والفكرية وعلى كلّ المستويات، إن لكل شيء حرمة وحرز يزيد في قيمة الشيء ويرفعه عن مستوى الخوض والعبث والاستباحة، وهذا يتّفق مع التشريع الإلهي “الحجاب” وهو في عمق معناه وأساس تشريعه بعيد كلّ البعد عن القناع

إن الحجاب قبل أن يكون غطاءً لجملة الخلايا الميّتة المسمّاة “شعر الرأس!”، وقبل أن يكون زينة اللباس المتناسق الألوان، وقبل أن يكون قناعاً لستر تجاعيد الشعر ومعايبه، إنه قبل ذلك كلّه لحن الوقار والإكبار الذي لا تملك حين سماعه سوى الاحترام، وفي جانب المرأة يعمل هذا اللحن على الرقيّ بها من خلال الحفاظ على مساحة الخصوصيّة
قد لا يكون خلف هذا الحجاب جديد -الصلع عند المرأة لا يعفيها من الحجاب- لكنّ رمزيّته التي يحقّقها لدى الطرفين تحتاج تعاضد الأدباء والفلاسفة لتفكيكها وعرضها

ومن المؤسف جداً أن معظم اللواتي يرتدين الحجاب لا يعرفن شيئاً عن هذه المعزوفة، هم فقط يرتدونه!

لا بدّ من التعقيد والمجاز والعمق والمعنى في الحياة، لا تكفي البساطة والسطحيّة
وعلى كلّ حال لا بدّ من الصدق دوماً .. أقلّها الصدق مع الذات