أرجوحة الفكر والحياة

حياة الإنسان مليئة بالتبدّلات والتحوّلات، ليس على مستوى الأفراد وحسب بل على مستوى الجماعات والأمم، إذ التغيير صفة لصيقة بالحياة، وما من شيء حيّ إلا وتطرأ عليه التغييرات بمرور الزمن، كل المتحوّلات تابعة للزمن

حين يبدأ الشابّ حياته تتشكّل أفكاره نتيجة الثقافة المحليّة وتكرار كلام القوم -إنّا وجدنا آباءنا- ثم بعد ذلك يفترق عن أقرانه ويتفرّد كلّ منهم بمنهجه ليشكّلوا بمجموع أفعالهم فرقاً وأحزاباً متعدّدة

فهل يمكن اعتبار ذلك إشكالية؟ ما السبب؟ ومالعلاج؟ 

بداية لا يمكنني تشخيص الأمر على أنّه مرض، بل المرض أن يستمرّ الإنسان بتلقّي الأفكار الموروثة دونما “تساؤل” 

نعم إن التساؤل محرّك عجيب للمرء يبعث في نفسه روح التساؤل والبحث عن الإجابات في كلّ منحى وكلّ جزئيّة على امتداد هذا الكون، إن سبب هذه الظاهرة إذن هو التساؤل وكلّما زاد حجم التساؤلات ودقة وحساسية موضوع التساؤل كلّما زاد مقدار الفرقة بين الأقران والتخالف عن عادات المجتمع والسائد المتوارث

الأمر أشبه ما يكون بأرجوحة العيد .. نعم أحتاج من الأرجوحة في مقالتي هذه خصائصها الفيزيائية لأوضح فكرة هامّة جداً

download

يبدأ المرء حياته والأرجوحة ساكنة -مقلوبة-  ذاك السكون القلق وأي حركة أو هزّة تسبّب فوضى كبيرة

يساهم أرباب المجتمع كثيراً في تقييد الشاب أوّل حياته وهم يدّعون حمايته من الوقوع في المهالك والمشاكل، يحرّمون عليه التساؤل، التفكير، البحث، والتنقيب في الكتب .. هناك أسئلة محرّمة، وكتب محرّمة، وأفكار محرّمة .. كل ما يحوي شبهة الإضرار بمصلحة الفرد -من وجهة نظرهم- يحرّمونه، تبدأ أرجوحة الشابّ بالسكون لكن في الأعلى حيث التوازن قلق غير مستقر

ولكي يحكم المجتمع السيطرة على أفراده يكبّلهم بحبال الجمود والتبعيّة والرؤية الواحدة والمشرب الواحد كمن يحاول إبقاء الأرجوحة ثابتة مستقرة في الأعلى ويربطها بحبال متينة ليمنع تحرّكها ذات اليمين وذات الشمال، ولو أنّهم أدركوا سنن الكون والحياة لما حاولوا كسر إرادة الناس وفضولهم الإيجابي وفطرتهم في التساؤل والبحث وحب المعرفة

لا يمكن أن يستمر توازن الأرجوحة في الأعلى مهما سعوا إلى ذلك سبيلاً، إن الأجوبة الحاضرة في أذهان الشباب اليوم لجملة من تساؤلات الحياة تسبب تناقضات أكثر من التي تسعى لحلّها، وكلّما سعى مفكّر تقليدي أو كاتب أو باحث ينظر بمنظار المجتمع ويكيل بمكياله لدراسة ظاهرة وحلّ تناقضاتها زاد الطين بلّة والأمر تعقيداً! .. لأنه وخلال أبحاثه يسعى لإسكات العقل عن السؤال والتفكير وإرغامه على العودة إلى حالة التلقّي الجامد للأفكار الموروثة، تخرج معظم الكتب للناس تحت عنوان مبطّن يرسّخ فينا “إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مقتدون”

“كلّما زاد احتكاك المرء بأفكار الآخرين ورؤاهم المختلفة كلما اقترب أكثر من مركز التوازن المستقر، في البدايات سيشعر بحالة من الاضطراب الشديد، تتقلّب أحواله من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال جيئةً وذهاباً ونتيجة لاستمرار الحركة والاحتكاك تنشأ طاقة حرارية تتغلغل في أعماق المرء لتبثّ الدفء واليقين، وبمرور الوقت وانتشار الطاقة تخفّ الحركة وتنتقل تدريجياً من طاقة حركية إلى طاقة كامنة يختزنها الجسم على شكل أفكار ورؤىً ونظريات تعينه على فهم الحياة والكون”

بعد فترة من الزمن يصل الجسم إلى مرحلة التوازن المستقر، وعندها يكون قد دخل مرحلة الإيمان الحقيقي بعد عراك طويل مع أفكار الواقع المعاصر وعاداته، نريد إيماناً يتمركز في موضع التوازن المستقر، لا تؤثّر فيه رياح الشبهات والنزوات ولا يعتريه حالات تقلّب كاملة إنما تصحيح مسار وزيادة دقة في التموضع تماما في المركز ‘مركز الكون‘

حين يطرأ على الجسم تغيير يجعله يقلب حالته ويحرف مساره سرعان ما تتشكل قوة معاكسة لذاك التغيير تحاول العودة بالجسم إلى حالة التوازن المستقر، هزة واثنتين يكتسب الجسم طاقة ويعود لحالته الطبيعية .. لفطرته السليمة، لمنشأه وإنسانيته الأصيلة

كيف تميّز النقد والنصيحة من الطعن والفضيحة؟

كثيرا ما نتعرض للانتقاد والنصح من قبل المعارف من حولنا وهذه حالة تشير إلى مجتمع صحيح معافى أو يسلك طريق الشفاء على الأقل

يعتقد البعض أن أسلوب النصيحة وطريقة تقديم النقد يحدد مدى استجابة المعنيّ بالنصحية لكنني أرى في الأمر ما هو أعمق من ذلك

لا يهمني لين الحديث ورقة الكلمات التي تصاغ منها النصيحة بقدر ما أهتم بشيء آخر، أفرّق به بين الناصح والفاضح، بين من يقدّم لي عيوبي وفي عينه دمعة وفي قلبه حرقة يتمنّى لو لم يكن بي ذاك العيب أو تلك النقيصة لكنه مع ذلك يعرضها عليّ حرصاً ومحبّة وإن قدّمها بألفاظ نابية أو أسلوب فظ غليظ فقد تعوّدت ألا أرعوي على مظهر أو شكل خارجي وأن أراقب دوماً خفايا الأمور وبواطنها
والقرآن عبّر عن ذلك بـ “ولو كنت فظّاً غليظ [القلب]” ولم يقل الوجه واللسان!

إن أسلوب النصحية يتبع لطباع الناصح وعاداته في الحديث وإبداء الرأي ولا شأن له بصدقٍ أو كذبٍ إلا على نحو يسير .. 

كثيرون يشتمون ويعيّرون ومن ثمَّ يغطّون ذلك كلّه بثوب النصيحة ويجمّلون ذلك بكلمات المحبة والعطف!

إذن الفيصل في تحديد الناقد من الجارح شعور الأسى والحزن لوجود العيب فيّ ابتداء واستصحاب نيّة الترقّي والبناء سببا لطرح العيب لا الهدم والنكوص!

لا يمكن وصف الشعور .. هو فقط شعور يمكن تحسّسه، والنفس -أي نفس- تتلمّس صدق الشخص وحزنه وأساه أثناء عرض النصحية من فرحه وضحكه بها كأنه وجد كنزاً .. على أن هذا المعنى يحتاج تدبّراً أكبر بحثاً عن علّة ذلك

إن وجدت صديقاً يبحث لك عن مثلب فهدّأ من روعك ولا ترمه بالملامة، البحث عن نقيصة فيك قد يعود سببها لسوء عرضك لنفسك أمام أصدقائك بصورة ملائكيّة مشوّهة تغالب الفطرة السليمة والذوق المقبول فيمجّ الناس ذلك ويسعون باحثين عن ثغرة فيك لا بقصد تحطيمك لكن لإعادة الأمور إلى نصابها
إنهم بذلك يحاولون البحث عن برهان لقاعدة عقلية عندهم تحاول أنت نفيها

من السذاجة إيهام الناس بكمال خصالك .. لن يجرّ ذلك لك إلا العداوة والبغضاء لذا كن صادقاً وكفى  

الاعتذار ثقافة

ثقافة الاعتذار لغة عالمية يفهمها الخلق أجمعون، التوبة باب واسع يبعث على طمأنينة النفس وسكينة القلب والفؤاد
تحت هذا المسمّى وذاك المطلب سال القلم مترجماً حرقة القلب وعبرات العين فكتب ما كتب..

أعتذرُ إليكِ أمي عن كلّ يوم مرّ دون أن أقبّل فيه يديك، عن كلّ دمعةٍ انهملت في ساعة شوقٍ حارقة، عن كلّ ابتسامةٍ أرسلتُها للناس لم يكن لكِ فيها أوفرَ الحظّ والنصيب

أعتذرُ إليك والدي عذراً تكابده حرقةٌ تدمي القلب وتدمع العين، مقابل كلّ خليّة نمت في جسمي قطرة عرق سالت من جبينك الطاهر أعتذر عن كل رمشة عين لك لاتجدني خلالها بجانبك، ليتني كنت المعول في يدك التي تشقّ طريق الحياة للعائلة ليتني كذلك!

أعتذر إليك أخي إن تقاصرت همّتي عن طموحاتك لي، أعتذر إليك عن نبرةٍ حادّة لم تلحظ عظيم حبّك وإشفاقك، أعتذرُ إن قابلت حرقتك الرطبة ببرود جاف..

أعتذر إليكِ أختي عن كلّ حلم لم أستطع مشاركتك إياه .. عن كلّ طموح سعيتِ إليه ولم أكن فيه بجانبكِ لأفرش الطريق بالأزهار والرياحين
أعتذر عن رقّة قلبك إن لم يتردّد صداها في أعماقي .. أعتذر عن عذوبة ألفاظك الرطبة إن لاقت قلباً جافاً وسمعاً متخشّباً
نعم أعتذر إن تأخّرت بالمصارحة في أنكِ : “إشراقة حياتي الباسمة، ونسيمها الرائق الذي يجلو عن القلب آلامه بنفحة أمل ويمحو عن الروح آلامها بلمسة شفاء”.

أعتذر إليكم ولا أدري كيف أصفكم .. أنتم عائلتي الثانية، لا أنتم أهلي مع أهلي، أنتم الصاحب في سفر الحياة والأنيس في وحدة الكون، أعتذر إن قابلت بالإساءة إحساناً، إن شرَدت منّي فكرة أو نظرة أو عثرة آلمتكم، أعتذر إن غابت كلمات الشكر وذابت حروفها أمام جُمل إحسانكم
أعتذر إن خدشت موجة البحر استقرار سفينتكم، أو عاثت هوام الأرض فساداً بمحاصيلكم..
أعتذر إن شقّت عبراتي طريقها إلى قلوبكم الرقيقة فآلمتها ملوحتها..
أعتذر عن ساعة صفاء سرقتها من أيّامكم، أعتذر عن حمامة بيضاء سلبها حريّتها -في الطيران- غراب أسود!
أعتذر عن كلّ غرسة ضاعت في صحراء النكران، عن كلّ شتلةٍ غرقت في رمال الهذيان والتلاعب والأهواء المتحرّكة

أعتذر إليك صديقي الذي شاركني أحلامه فرحلت عنه وعنها!
أعتذر إليك رفيق دربي إن خذلتك في موقف أو كنت أبعد عن توقّعاتك .. إن قلتُ ما لا يسرّك
أعتذر إليك صديق الطفولة إن كشفت لك سرّاً أو نكثت لك عهداً
كنا نحلم سويّاً بتحطيم صخرة الحياة فهل يا ترى تكسّرت أحلامنا أمام قسوتها، أعتذر إن لم نجعل الحلم حقيقة .. لكنك الحقيقة التي قي قلبي
أعتذر لقلبك الصافي إن خدشته جراحات الأيام، أعتذر عن كلّ شبر صعدتُه في سلّم الحياة من دونك؛ أو لعلّي صعدت على أكتافك .. أنا جزء منك وأي نجاحٍ لي أو لك هو نجاح مشترك بيننا .. أو هكذا ينبغي أن يكون!

أعتذر إليكِ حبيبتي -زوجتي المستقبلية- على تأخّري، على كلّ ساعةٍ تمضي بعيداً عنكِ، أعتذر أنني لم أرقَ بعدُ لأكون زوجاً لك وأباً لأولادك؛ أسعى باحثاً عن سرّ تكويني وغاية وجودي، باحثاً عن الكمال بكلّ أشكاله

أعتذر إليك عقلي عن كلّ ثانية لم أزد في عمرانك شيء
أعتذر إليكِ روحي عن كلّ لحظة جافّة لم أبلّلها بماء الحياء من الله، عن كلّ صقيع لم أذبه بحرارة الإيمان، عن كلّ لفحة من نار جهنّم لم أبدّدها ببرد اليقين ..
يارب :: إذا صحّ منك الودّ فالكلّ هيّن …. وكلّ الذي فوق التراب تراب

أزمة ثقة

تقام في كثير من البلاد التي تحترم شعوبها سباقات جادّة لكسب ثقة الجماهير وأصواتهم كذلك، وقواعد هذه السباقات فضفاضة

ما أكثر اللوحات الإعلانية والحملات الإعلامية لهذه السلعة أو ذاك المنتج، والتي تسعى جاهدة لكسب ثقة المستهلك ورضاه

إن الثقة هي الأرضية لبناء أي مشروع، وكلّما كانت متينة كان البناء أشدّ ثباتاً وأرسى دعامةً، ولا يخلو مشروع ناجح من حالة ثقة كما لا يخلو مشروع فاشل من أزمة ثقة

إذا أردت دخول الحياة الاجتماعية فرأس مالك الثقة ولن تفلح بدونها

إن السير مع متتاليات الأحداث دراسةً وتحليلاً يفضي بالضرورة إلى عنصر الثقة، وسبب ذلك حسبما أرى سعة الكلمة واحتواؤها جملة من العوامل الضرورية لتمام مشروع أو استمرار علاقة، فالثقة تحمل في طيّاتها معاني الإخلاص والوفاء والأمانة وتحمّل المسؤولية والالتزام وحتى الأمل والرجاء

لذا أجدُ في عزو المشاكل والأزمات -على المستوى الفردي والجماعي- إلى انعدام الثقة بصيغة التعميم فيه شيء من الغبن والغرر، إذ هو تشخيص خالٍ من الدقّة والتحديد المطلوبَين لمعرفة العلّة على وجهها الصحيح

إن الثقة لا تأتي من فراغ، ولا بدّ لها من وقود يبقيها متّقدة فكيف بنا والماء يحاول إخماد جذوتها في كل حبن

لقد تحطّمت الثقة بين الشباب المنتفض ورموز الأمة -ولا يغيّر السبب سواء كان جهلنا أو المؤامرة في النتيجة شيئاً- ولولا الخطابات المفصومة عن الواقع التي يمطرنا بها سياسيّو هذه الأيام، والأحكام والتشريعات المريّخية التي يستوردها لنا علماء دين يعيشون معنا جسدا لكنّ عقولهم تحنّ لما قبل الابجدية واكتشاف النار!، والأفكار والنظريّات الافلاطونية التي يسعفنا بها أطباء المجتمع ومثقفوه .. لولا كلّ ذلك وأضعاف أضعافه لما أمكن تحطيم جسر الثقة بحال من الأحوال

أدرك أن الأعداء لا يغمض لهم جفن ولا يهدأ لهم بال حتى يهدموا هذا الجسر وأن العصيّ التي تضرب في العجلات ما أكثرها لكن ذلك لا يهدم جسرا متينا .. إنه كفيل بهدم جسر مهترئ تآكل حتى أٌتخم ونخر فيه الصدأ من الداخل حتى  كأنّه يريد أن ينقضّ

لعلّي أجترء فأقول .. ثقة المسلمين -فضلاً عن غيرهم- بقدرة الإسلام على قيادة المجتمع الإنساني تتضاءل شيئاً فشيئاً، ويترافق ذلك مع السقوطات المدوّية لتجارب “إسلاميّة” في كل من الساحات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، لقد أمسى الشاب المسلم ما يلبث أن يفتح عينيه على الواقع وقلبه مشتعلً بالهمّة والأمل بالتغيير حتى تطرحه الصفعات المتتالية أرضاً وفي نهاية المطاف سيفقد الثقة والأمل بالنهوض من بعدها

والمسؤولية المترتّبة على علماء الشريعة اليوم كبيرة جداً .. إنّهم مطالبون بإعادة ثقة الناس بدينهم وبقدرته على مواءمة الواقع وقيادة المجتمع، ولا يكون ذلك من خلال خطب رنّانة تتلى على المنابر وتشحن عواطف الناس بعد الاستعانة بأمجاد الماضي والنصوص المقدّسة، لالا إن ذلك أشبه ما يكون بالتخدير!

ولعلّنا أولا نحتاج أن نكرّس بعض الجهد لإعادة ثقة الناس بعلماء الشريعة ابتداءً ..

لست أدعو إلى الثقة العمياء المبنيّة على الأوهام المريحة مع غضّ الطرف عن الحقيقة المرّة والواقع الأليم .. ولا أدعو كذلك للتشكيك بكل أحد والسير قدماً في دوّامات التخوين واستعداء الآخر

إن ما يجري في بلدنا -أو من المفترض أن يجري- هذه الفترة سعي حثيث لتخطي عقبة انعدام الثقة ومحاولات جادّة لتقليص الهوّة بين الأطراف جميعاً وفي أثناء ذلك ينبغي إدراك حجم التحديات المترافقة مع هذه المرحلة فكما ذكرتُ “الثقة خيط من حرير إذا انقطع يصعب وصله، بل هو آنية زجاجية إن تكسّرت ﻻ مجال لجبرها وإعادتها كما كانت”

ولبيان مدى ارتباط الثقة بمشاكلنا أطرح المثال التالي:

الغشّ ظاهرة متفشية في أوساط الطلبة والمتعلّمين في المدارس والجامعات، وقد عمل المصلحون على إلغاء هذه الظاهرة بشتى الوسائل فسلكوا لذلك طريق التوعية والتنبيه لخطورتها المجتمعية أوالتخويف من عقاب الله أو المراقبة المشدّدة أو .. ولم تفلح أيّ من هذه المسالك لأنها لم تعالج جذر المشكلة ابداً

لقد أفلح الكوريّون في تشخيص المشكلة والعلاج؛ كان الحل تعزيز ثقة الطالب بالعلم وأهميته في بناء كوريا فبلغ بهم الحال أن تكون الامتحانات الجامعية في المنزل، ولا حاجة لكتائب المدرسين المراقبين ولجان كشف أساليب الغش!

لقد استطاعوا الوصول لهذه الدرجة من الثقة بعد تربية الطالب على التعلّم حبّاً في العلم وإيماناً جازماً أنه السبيل الوحيد لنهضة كوريا

فيديو عن المثال –  http://goo.gl/tTyksK

سحب وإفلات

جميل أن يكون للبلد طرقه الذاتية في تحديد أسلوب بناء الحياة في المجتمع بكل نواحيه بما فيها الناحية العلمية والحياتية، ولا مانع من التأثّر بطريقة ناجحة في ميدانٍ ما ومحاولة تقليدها على نحو قول الشاعر:
فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم … إنّ التشبّه بالكرام فلاح

لكن محاولة التقليد هذه لا ينبغي أن تكون على طريقة “السحب والإفلات”؛ أي أن نسقط المسألة بجزئياتها وتفاصيلها على مجتمعنا كما هي .. هذا النوع من التقليد أعمى بل وأصمّ وأبكم، وآثاره السلبية ومضارّه أكثر من أن تحصى الترهّل المجتمعي والذلّة والكسل والركود والجمود والانغلاق الفكري والسلوكي علماً وعملاً .. كلّها نتائج لهذا القليد الأبله

إنّ ما يصلح في مجتمع ما لا يعني بالضرورة أن يكون صالحاً في مجتمع آخر بنفس الطريقة بل قد يكون ضارّاً مدمّراً ولا يعني ذلك -كما أشرتُ بدايةً- أن ينطوي كل مجتمع على نفسه وينغلق على تجاربه الخاصّة، لا فلا يمكن بهذا الشكل أن تقوم حضارة إنسانية؛ فالحضارة خلاصة التجارب الإنسانية التي تأتي نتيجة تكامل خبرات الشعوب على امتداد البسيطة

مذ بدأت الحديث وفي جعبتي مثال أودّ طرحه بعد كلّ تلك المقدّمة

لا شكّ أن باب الاجتهاد في السياق الإسلامي كاد يغلق لعدم توفّر الاهليّة كما يزعم أهل العلم، وسبب ذلك أنّهم يشترطون اجتماع شروط الاجتهاد من دراسة عميقة لأكثر من مجال علمي ودراية شاملة وافية عن كلّ ما فيها ممّا يساعد على فهم المسألة المطروحة ومن الواضح أنّه من الصعوبة بمكان توفّر ذلك في رجل واحد مع قصر العمر وتوسّع أو تضخّم العلوم على هذه الشاكلة

كان للغرب تجربة ناجحة في حلّ هذا اللغز، لقد تغلّبوا على كثرة العلوم وتوسّعها بمفهوم “الاختصاص”

تمّ استنساخ التجربة في المشرق العربي كما هي فعانى الناس من الاختصاص شتى أنواع الألم، بينما هو نفسه سبب سعادة الغرب ورفاهيته .. السبب يعود للتقليد الأصمّ الأبكم لم يكلّف أحد خاطره بدراسة التجربة بشتى أبعادها وتفصيلاتها ليخرج منها بخلاصة يمكن إسقاطها وبحسب طبيعة البلد بما يحلّ الإشكال ولا يفاقم الأزمة

صرنا بين أمرين أحلاهما مرّ:

أما الأول فينادي بتعلُّم كل شيء والعودة إلى ما كان عليه علماء القرون الأولى من الموسوعيّة والشمول، وهذا ما لا يمكن تنجيزه في واقعنا فأغلقنا بذلك باب الاجتهاد وحرمنا أنفسنا العلم وقابلية التطور وصرنا خلف البلاد .. هناك في العالم الثالث -عشر- ! وأما الثاني فينادي بالتخصّص مع اجتزاء التجربة وتشويهها، وقد أفرز لنا ذلك “الأنصاف” فاكتوى الناس باجتهاداتهم القاصرة وأفكارهم المنحرفة المنقوصة، فخرجنا من الجهل البسيط إلى الجهل المركّب المعقّد والسبب في ذلك أن أهل الاختصاصات لم يجتمعوا -كما فعل الغرب- على مائدة واحدة ليتبادلوا خبراتهم ويناقشوا المسألة كلّ من زاويته ثمّ يخرجوا من ذلك بتصوّر شبه كامل وإجابة أقرب للصواب بعد أن تكاملت الخبرات في شتى الاختصاصات -أشبه بمنهجية المجامع-

نعم إن العلماء المختصين هناك تكاملوا كما لو أنّهم فرد واحد ليحققوا غاية واحدة؛ هي تقديم إجابات مدروسة دقيقة عن كل المسائل بما يخدم الوطن والمواطن .. هذه الندّية التعاونية البنّاءة السرّ وراء نجاحهم وتفوّقهم

بينما علماؤنا المختصون على تردّد آخر شيطاني بامتياز فهم لا يكتفون بالتباعد وعدم التناغم مع بعضهم بل إن الحروب الباردة والنزاعات الطويلة مشتعلة بينهم على نحو مهول! ترى الواحد فيهم يسعى -إن لم يستطيع الصعود فوق الجميع- أن يحطّم الجميع ويهدم بنيانهم ليعلوا بذلك بنيانه

كم من استاذ جامعي يتحدث عن زميله ويرميه بالتهم أثناء محاضرته ويكيد له خارجها؟! كم من طبيب أو مهندس همّه أن يكشف عورات زملائه ليظهر على أنّه التقيّ النقيّ بينهم؟! كم من عالم شرعي -او كما يطلق العامة عليه شيخ- يسعى جهده لغرس الحقد في نفوس مريديه على قرينه الشيخ، يحفر أحدهم للآخر بكل ما أوتي من مكر وخبث ودهاء؟! كم وكم؟! .. هذه الندّية الحربيّة الهدّامة السرّ وراء تقهقرنا وفشلنا

إن مفهوم الاختصاص لا يمكن أن يجتزأ فيُطبّق جزء ويهمل آخر، ينبغي دراسة المجتمع الغربي دراسة عميقة للإجابة على التساؤلات المطروحة لماذا نجحت التجربة عندهم وفشلت عندنا؟ لمَ كانوا متعاونين معاً وكنّا متناحرين ضدّاً؟ تستحق منّا هذه التجربة وقفة جادّة

إن لم نكن مبدعين فلنُعمل عقولنا قليلاً عندما نستنسخ إبداع غيرنا -على الأقل-!

في ميدان الانتماءات

قالوا قديماً : “اللي مالو كبير مالو تدبير”
أودّ الوقوف على مدلولات هذه العبارة وإسقاطاتها على واقعنا والبحث في مدى مصداقيتها وأهليتها للتطبيق
نعم إن الإنسان -أي إنسان- يمرّ في أطوار متعدّدة ومراحل متنوعة تتّسم عموماً بالتصاعدية.

فكلّما تقدّم بنا العمر زادت الخبرة ونضجت الأفكار وزادت دقّة وحساسية موازيننا للأشياء ولذا فإن المرء -وبشكل طبيعي- يتخلّى عن أفكار ويبدّل أفكاراً أخرى ويثبّت ما وصل إلى صحّته وهذه الحركة تشير إلى سلامة الفرد فكريّاً وسلوكياً.

ولما كانت مرحلة الشباب تغلب عليها سمة التسرّع والحماس كان لا بدّ لها من حكمة وتؤدة تقوّمها وتضبط حميّتها وهنا دور الكبار، وأعني بالكبير أي صاحب الخبرة والتجربة الذي أنضجته الحياة وخمّرته فصارت الكلمة منه بمثابة كتاب من غيره!

كل هذه مقدّمة لموضوع دقيق يتعرّض له كل أحد خصوصا في المراحل المبكّرة وفي بداية الطريق ألا وهو (التبعيّة)
الناس في زماننا على نمطين:

أحدهما: تنكّر المرء لمعلّمه ومربّيه وأهله وكل من له فضل عليه والعمل الحثيث على إثبات الذات والاعتداد بها والتسمّي باسم الحقّ وادّعائه ويدعم ذلك واقع سقطت فيه كلّ الرموز -أو أُسقِطت- وكذلك أدوات أتاحت الوصول للجماهير بشكل ميسور وغير مكلف.

والثاني: الانضواء تحت راية أحد الرموز فهم يسمعون بأذنه وينظرون بعينه ولسان حاله ينطق عليهم بـ “ما أريكم إلا ما ارى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” وترى هذا الصنف عديم الرأي لم تتكون لديه الملامح الرئيسية لشخصيته، لقد سمح لنفسه أن يكون ذيلاً وقد خلقه الله رأساً، سمح لغيره أن يحتلّه، أن يتحكّم به، أن يسحره ..
ويدعم هذا الطريق كسل الناس وجهلهم ودعاةُ ضلّوا وأضلّوا!

ما ذكرته سابقاً كان بمثابة الأبيض والأسود وبينهما درجات لا حصر لها من الرمادي
فقد يظنّ القارئ أنني أسرد عليه أصنافاً نادرة الوجود في مجتمعنا .. لكنني أعرض ذلك بعد تعرية كل طرف وكشف الزيف عن العناوين البرّاقة والأشكال اللامعة.

ولتقريب الأمر أذكر ما يلي:
كم من أستاذ يسعى جهده لجعل تلامذته نسخاً مكرّرة منه فتجده حريصاً كل الحرص ألا يقع أحدهم على كتاب يخالف منهجه؟!
كم من أبٍ يخاف أن يحيد ابنه عن الطريق الذي رسمه له؟!
كم من صديق يحاول جاهداً أن يطوي أصدقاءه تحت مسمّاه هو وأن يحمّل نفسه أعباء مستقبلهم وسلوكياتهم وما ذاك إلا وهم صنعته له نفسه على عين من شيطانه؟!
كم وكم في مجتمعنا من امثال هذه النماذج التي تفسد في النشء بل وتخرّج للبلد أجيالاً من الكتل اللحمية الخاوية على عروشها لا تلمس فيها كياناً حرّا ولا ترى فيها فكراً ومنطقاً، تهارش على الشكل وخواء تامّ في المضمون، ثم تراهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً؟!

لعلّ قائلاً يقول : إنّ هذا من باب التربية ووضع الشيء في نصابه فحرص المدرّس إنما هو من حبّه لطلابه وكذلك الأب والصديق .. وما هذا إلا وهم فوق الوهم ليجمّل العمل ويزيّنه!

لكل إنسان بصمة خاصة، نكهة خاصّة بل ورائحة خاصّة فلنحترم أنفسنا والآخرين ولا نحاول المساس بخصوصياتهم

وما أنا عليه -وأحسب أنه صواب- هو:
إنني لا أنكر فضل أحدٍ عليّ صغيراً كان أو كبيراً ولا أستح من ذكر فضله ولا أعتبر ذلك نقصاً بل هو واجب منوط بي وحقّ كلّفني الله بتأديته لا يقلّ درجةً عن برّ الوالدين، لكنّني مع ذلك فرد لي كياني وشخصيتي ورأيي الذي أملكه وحدي ولا أسمح لأحد أن يحسبني عليه ويبتلعني كما يفعل الثقب الأسود!

إياك أن تكون ثقباً أسوداً، فالعظيم من يشعر الناس حين يجالسونه أنّهم عظماء؛ يشعرهم بقيمتهم ولا يمسّ كيانهم ولا يخدش تكوينهم الشخصي، فالتنكّر للفضل بؤس والتبعيّة الماحقة بؤس و”اللي مالو كبير مالو تدبير”

أقرأُ لكلّ أحد وأسمع كلّ أحد ولا أنتمي لأيّ أحد، وممّا لا ريب فيه أنّ المرء يعيش حياته مؤثّراً ومتأثّراً بما ومن حوله، أنت يا إنسان مركز هذا الكون فكن في جوهرك كذلك.

ملاحظة

قصيدة ليالي العلا

لله أشكو ما أعلَّ فؤادي … أتراه وجد أم تراه حدادي

عظم المصاب فلم أعد أدري على … قلبي أم العينين أشكو سهادي

فكلاهما حلك الظلام عليهما … فاسودّ بعد النور كل ودادي

نبع الحياة وضوء عيني نفدا … قطع المداد عن المريد عنادي

أفبعد هذا تأملن برؤية … للنور أو للنبع من إمداد

نادى الفؤاد وما به من قوة … جرح الأحبة مزقت أكبادي

أوَتبتغي عزّاً وأنت ذليل قد … رمت العلا من غير ما إعداد

نارٌ تلظى أو سعير للذي … جحد الفضائل أهله ومعادي

قد هاج موج ضاع منه مرامي … والركب مال وحيط بالأقتاد

وتعثرت أقدام من نزلت به … وتلكأت معزوفة الأوتاد

فلأرضين الله في بر الذي … أسدى إلي العطف مذ ميلادي

ولأدعين الله أن يغفر ما … خط اللسان وما جنته يدان

آليت أن أمضي بغير تلفت … نحو العلا والليل فيه مدادي

يا طالباً للعز لذ بالعلم قد … كتب الإله تلازماً ومعاد

يا راجياً فردوس رب قادر … فيها الصحاب مع الحبيب الهادي

إلزم كلام الله خير كلام … ولتقرأنه ولازمنّ مرادي

ما فاز يوما من بنى دنياه … متعامياً عن يوم ذي الأشهاد

متناسياً حق الإله وفضله … والأهل كم ناموا على الأعواد

وتمددوا لتمر ما أبهوا ولـ … ـكن الذي جهلوه في الأولاد

الغدر كان جزاءهم فقد ازدرى … من كان طفلاً حق ذي الأعياد

نسي اللبان وتسعة الإعياء قد … غرّ البقاء الطفل والإمداد

خال السماوات العلا خليت من الـ … ـجبار كم قصم الظلوم الساد

رباه عفوك قد خطيت وأين لي … من ملجأ إلاك من إسهابي

فبحقّ خير العالمين محمّد … خفف عن العاصين كل حداد

خُطت وما خطّ اللسان بل اليد … إثر العوارض أثبتن فؤادي