فيديو

معركة العلم والخرافة

يصوّر لنا المشهد القصير بلدةً آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان

تصميم المدينة على شاطئ البحر ومن خلفها سفح جبليّ تتصدّى الكنيسة للقادم منه لأنها أوّل بناءٍ من جهة الجبل

هناك صخرة في الأعلى ذاهبة لتدمير المدينة بسرعةٍ تراكميةٍ متزايدةٍ خاضعةٍ لقوى الثقل والجاذبية، يأتي الرجل الصخري منافحاً عن المدينة ليقف في وجه الصخرة وتبدأ محاولات إيقافها بكلّ عزمٍ وحزمٍ وقوة، اخيراً يتمكّن هذا البطل من حماية المدينة لكنّه وأثناء معركته مع الصخرة قرع بكعب قدمه الجرس فسقطت الكنيسة!

أهل المدينة يرون المشهد من جهتهم، وراحوا يضربون ‘منقذهم’ ويقذفونه بالحجارة والقنابل معتقدين بجهلهم وقصر نظرهم أنّه عدوّهم
سرعان مانفذ صبر صاحبنا فتنحى كما يريدون تاركا مصيرهم لصخرة مجنونة سحقت مدينتهم وأحالتها رمادا وركاما

——————————————-

هذا المشهد كما تراه عينٌ مجردةٌ لم تذق طعم الفلسفة والمعنى مرّةً!

كثيرون حاولوا تأويل المشهد بما يتوافق مع رؤاهم ووجهات نظرهم وأنا أحد أولئك، سأبرز مدى روعة وقوّة الصورة في التعبير واختزال المعاني وتزخيمها

يعيش أهل هذه المدينة حالة من العزلة والجمود في جزيرة

الصخرة كتلة من الخرافة والجهل والتخبّط الذي سيدمّر البلد وأهله، والرجل الصخري هو العلم والمعرفة الذي يواجه هذه الخرافات بقوّة ويفتك فيها، قفزاته راسخةٌ متماسكةٌ، عيناه ثاقبتان يعلم مايفعل، لا يتخبّط أو يتدحرج وفق حركةٍ عشوائيةٍ مؤلمة

يصارع الجهل والخرافة فيتمكّن منه، لكنّه وأثناء معركته هذه يهدم خرافة الطقوس والشعائر الفارغة التي يحسبها أهل المدينة تديّناً صحيحاً ينجيهم من المتاعب التي يقذفهم بها الجبل كلّ حين

فالطّاعون والحصبة والكوليرا أمراض حاولت الكنيسة معالجتها وصدها بخرافاتٍ وطقوسٍ قالوا أنها الدين .. ولم تستطع بل ضاعت وأضاعت

ثم جاء العلم فقهرها جميعاً وأراح الإنسان من أقسى معاناته وأشدها ألما في تاريخه الطويل على هذه الأرض

يحاول المتقوقعون بعقولهم وتفكيرهم في حدود جزيرة -قد تكون جزيرة الطمع، الخوف، الغباء أو أياً كان المهمّ أنهم لا يفكّرون خارج هذا الإطار- يحاولون تقديم فهمهم السطحي الساذج للدين على أنّه الحل لمشكلات الإنسان، وكثيراً ماسمعنا ‘الإسلام هو الحل’ ثم لا شرح ولا تعقيب ولا خطّة واضحة تسعى لإسعاد الإنسان ورفاهيته وتأمين غذائه ودوائه ومسكنه الآمن .. فقط هكذا شعارات براقة مجوفة لا خير فيها

يحاولون بناء طقوسهم الدينية على سفح الجبل لتحميهم من كوارثه وإن هم إلا يخرصون!

يأتي العلم ويمسح عن الإنسان آلامه وجراحاته بمعول الكشف والتجربة والمشاهدة وغايته كشف أسرار الكون وسبر أغواره ليتعرف من خلال ذلك على نفسه وموقعه من الحياة والكون والله

في طريقه لتحقيق ذلك يتصادم وبعنف مع أدعياء الدين وأرباب الطقوسية والشعائر والمظاهر الفارغة، ينجم عن هذا التصادم سقوط مدوٍّ للكنيسة والتديّن الأحمق والخرافة البغيضة

نلاحظ أنّ الصخرة والرجل الصخري من أصل واحد وهذه إشارة حملتُها على أنّ حياة العلم أو الجهل تحمل طابعاً مشتركاً هو المعاناة والكدّ والتعب في هذه الحياة لكن أناساً عرفوا عظمة الخالق فأعملوا العقل ليشقّوا به طريقهم في هذه الحياة بانتظام وتشكيل الرجل الصخري، وآخرون لا يعرفون معنى “الله” حقاً وبعمق راحوا يتيهون في الأرض أربعين إثر أخرى فتشكّلت صخرة صمّاء لا يد لها تحمل وتعين ولا قدم تسيّرها بحركة مقصودة مضبوطة ولا رأس ولا عينان تبصران

“حياة الجاهل صخرة صماء وحياة العالم إنسان”، كلاهما من أصل واحد لكن الفرق أن العالم عرف معنى (ونفخنا فيه من روحنا) فعمل بها وحمل الأمانة وكان خليفة الله وحامل الجوهر الرباني في تكوينه .. العقل والقلب

——————————————-

تذييل لابدّ منه:
– قد يتوهم البعض أنني أضع العلم والدين في ثنائية متضادة يلغي أحدها الآخر حكماً، وهذا غير صحيح من أكثر من ناحية لكن ما نشير إليه هنا هو تصادم الخرافة المحمولة على الدين قسراً وظلماً مع العلم والمعرفة

– الكنيسة رمز للمسيحية، وقرع الجرس من طقوسها لكنّ ما ينطبق على المسيحية يمكن إسقاطه تماماً على كلّ الديانات، فمع الأسف لم يخل دينٌ من غزو الجهل والخرافة وبله الأتباع

– قد يتحامل كل متحذلق على العلم والمعرفة ويدعيهما لنفسه وهو من أدعيائها البله كما في ساحة الدين تماماً، وأزيد أن كثيرين يعتقدون أن العلم يمكن اعتباره أيديولوجيا تخلق وتوجه أفعال المنضمين تحت لوائها وهذا جهل بحقيقة الكلمة ومعناها وبشروط الأيديولوجيات وتكوينها

– العلم لا يخلق الظاهرة، فهي موجودة من قبل ومن بعد، إنما يكشف اللثام عن حقيقة تركيبها وفقاً لنظام الكون المتناسق والمنتظم انتظاماً حركياً فعالاً

ثنائيّة المثقف والشارع

ثنائية المثقف والشارع لاتزال تشغل أقلام الكتّاب والمفكّرين وتملؤ صفحاتهم بحثاً ودراسة، يمكن إجمالها بوجود تيارين اثنين :

أحدهما يشترط على المثقف أن يعيش على نبض الشارع وهمومه ومشاغله، وأن يكتب في إطار الواقع المألوف للناس والذي يلامس حياتهم اليومية وهموم مستقبلهم وتاريخهم.

والثاني يشجّع المثقّف على عدم الانخراط في البيئات العامة والشعبويّة حتى لا يجرفه تيّارها فتتماهى أفكاره ورؤاه مع مصالح الناس وأهوائهم ويصعب التمييز عندها بين فكرة جاءت عن قناعة المثقف وتبعاً لمنظومته الفكريّة متعددة الأقطاب وبين فكرةٍ حثته على إفرازها قوّة الجماهير وسلطتهم ورغباتهم التي تطبّق قوى جذبٍ هائلة في ذهن وقلب المفكّر

والواضح أن الفضيلة وسطٌ بين كلا الرذيلتين لكنّ تحقيقها يحتاج جهاز توازنٍ فائقٍ وحساساتٍ ولواقط ذات جودةٍ عاليةٍ، ولن يتحقق توازنٌ كاملٌ مطلقٌ لا يعتريه النقد وعدم الإعجاب وسوء التقدير أحياناً لكنّه يقارب درجة الكمال ضمن حدودنا البشرية

لا يجدر بالمثقّف أن يتماهى مع رأي الشارع بدافع من إغراءاتٍ وعروضٍ وتحقيق المكاسب على كلّ صعيد؛ اقتصادي، اجتماعي، سياسي، وحتى عاطفي

أو قد يكون الدّافع أحياناً الخوف من تأليب الناس ونشر الفوضى المترافقة مع الأفكار المختلفة الجريئة القوية والمتمردة، أو كما يطلقون عليها الاصطياد في الماء العكر

وهناك دوافع أخرى كثيرة تجعل المثقّف يتخلّى عن فكرته أو يلبسها ثوب التودّد للجماهير والتزلّف لهم وينثني عن نشر ما يراه الحقيقة المُرّة

كلّنا لا يحبّ ان يخلق لنفسه المتاعب والصراعات لكن أمرا لا بد منه أن يتحلّى المثقف بروح التمرد أو الصراحة والوضوح التام ما يحمله على قول الحقيقة على النحو الذي يراه هو بعد بحثٍ ودراسةٍ وتمحيصٍ ويقدّم فيه الإدلّة والبراهين

لكنّ هذا أيضا لا يكفي .. نحتاج خطوةً أخرى تسدّ الفراغ الذي خلّفه إبعاد المثقف عن الشارع واحتجازه ريثما يخلق فكرته بعيداً عن تأثيرهم السلبيّ

إنّها طرح آليةٍ ما واقعيةٍ لتحقيق ما توصّل إليه بالبحث والدراسة مراعياً في ذلك طبيعة النّاس وحدود الزمان والمكان والتداعيات السابقة اللاحقة والمعاملات الأخرى التي تدخل في تشكيل الفكرة وبنائها

وأنا أرى أنّه ليس ضربة لازم أن يحتمل المثقف كل ذلك وحده، وأنه يمكن -بل يجب- أن يقوم بهذا الدّور مجموعة من المتخصّصين في مجالات متعددة تتكامل معاً وعلى طاولة مستديرةٍ لصنع قرارٍ أو استخلاص صيغةٍ ملائمةٍ تماماً

نريد للفكرة أن تكتب بأقلامٍ لا بقلم، وبعقولٍ لا بعقل، وبقلوبٍ لا بقلب، وبشخصياتٍ متعددةٍ لا شخصيةٍ وهوى متفرد ..

خلاصة:
لا ينبغي إهمال حاجات الناس ومشاعرهم وتأثير بيئاتهم حين يتوجه المثقّف في خطابه للشارع، كما لا يحسن رميه هكذا في أروقة المجتمع ليعيش شعورهم

فالإنسان، مهما يكن، كائن مؤثّر ومتأثّر بالآخر وفي آنٍ معاً

حالة

واحات على جانبي الطريق

إنّ أشدّ ما يلاقي المرء في طريقه لتحقيق طموحه تلك الواحات على جانبي الطريق، توهمه بأنّها مريحةٌ وممتعةٌ فيقنع بها ويستكين للجلوس تحت ظلّها؛ طلباً للراحة في بداية الأمر، ومكافأة للنّفس والجسم على تعبهما، ثم تتحول إلى خمول وكسل فتقاصرٍ عن الطموح ورضاً وقناعة بما حازته يداه

من تلك الواحات الحبّ والحنين والغرور وفرص العمل المغرية والخوف من عدم تكرارها وتوفرها في المستقبل، غير أنّ الحياة مغامرة ومقامرة وليس جديراً بها من لا يملك روح المغامرة والشجاعة الكافية لترك عصفور اليد مقابل المراهنة على العشرة عصافير أعلى الشجرة

في إطار الزواج قد يرى المرء إمكانية الارتباط  بالآخر المتقدم، أو المتوفر حاليا، قد يكون/أو تكون دون طموحاته/ها وهنا يحار المرء هل يقنع بالقسمة المخصصة له أم يكافح في سبيل تحقيق طموحه بشخص أفضل غير متوفر حاليا .. هذه أشد العقبات أمام العثور على شريك العمر المناسب وتحقيق زواج ناجح هانئ

في إطار العمل قد يقنع العامل أو الموظّف بمكانه فيدخل دوامة الأعمال الروتينية ويعيد تكرارها كل يوم لقاء أجر معلوم زهيد في أغلب الأحيان لكنّه مغرٍ، لن يفكر ساعتها بتطوير نفسه وقدراته ليرتقي في العمل لأن ذلك سيحتم عليه البحث والدراسة والوقوع في الأخطاء فمن يملك روح الشجاعة والمغامرة لا يهاب ذلك باحثا عن الجديد ومزيد التقدم مستعداً لإخفاقاتٍ مرحليّةٍ أملاً بنجاحاتٍ مستقبليةٍ

وحين يموت الأمل في القلب تلفظ روح الإنسان أنفاسها الأخيرة حتى لو بقي حياً فهو جسد بلا روح

في إطار العلم والحياة .. قد يُجرّ المرء رغماً عنه لعالم المادّة بعيداً عن الحياة العلميّة والكسب المعرفيّ وأدواته في معركته الماديّة ما حصّله من علوم ومعارف قد تحقّق له بعض المكاسب من منصبٍ ومكانةٍ اجتماعيّة وحالة اقتصاديّة جيدة وحتى زوجة تليق به ويليق لها غير أنه إذا أوقف عجلة تقدمه العلمي فاكتفى بما حصّل وشرع باستهلاك معرفته مادياً فقد قضى على مشروعه بيده وأعدم طموحه على مشنقة تسرعه في قطف الثمار، ويعتبر فهمه لمعنى الحياة وغاية العلم قاصرة ضحلة، وبهذا ينهي أحلامه ويخسر معركته، يركن إلى واحة على قارعة الطريق والمسكين لا يعلم ما ينتظره في نهاية الطريق من نعيم يفوق بمرات ما يستشعره في تلك الواحة ذلك أنّ ما أوصله للواحة سيتضاعف ويتزايد على طول الطريق ويصير أثره بالتالي مضاعفاً وثماره أنضج وألذّ وأكبر حجماً ..
قال تعالى: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون)

كتبتها هكذا دفعة واحدة بدقائق من تجليات ليالي الإنسانية المعذبة

تكميم المعرفة

كثيراً ما يدور في ذهن المهتمّين بالثقافة والمعرفة -ومن هم في أوّل الطريق- سؤالٌ من قبيل (ماذا أقرأ؟)؛ والوجه الآخر للسؤال هو سؤال داخليّ يتردّد صداه في العالم الخارجي على هذا النّحو، أمّا السؤال الداخليّ فهو الحاجة إلى تلك المعرفة التي يتحقّق للإنسان معرفة ذاته -والعالم من حوله- بها، وتمكّنه من الإجابة عن أسئلة الحياة الكلّية، وتفكّك له كلّ التناقضات التي تسلب النوم من عينيه كلّ ليلة

باحثين عن تلك الوصفة السحريّة يقضون أوقاتهم متخبّطين بين صفحات المثقّفين الذين علا صوتهم ولمعت أسماؤهم في فضاء التنظير للحياة الاجتماعيّة، والقضايا المستجدّة في كلّ شأن من شؤون الحياة

والحقّ أنّ شبابنا لا يعانون من نقص حادّ في القراءة والاطّلاع -على وجه العموم- إنّما الذي يتصدّر قائمة الأمراض هو غياب السياق وفقدان البوصلة، الأمر الذي يجعل القراءة أشبه بالدوران حول محور ثابت يشعر معها القارئ بالحركة لكنّه في واقع الأمر يراوح في المكان وحسب!

ولشرح معنى غياب السياق وفقدان البوصلة وتسليط الضوء على بعض جوانبها وأعراضها كانت هذه المقالة:

حين تطلب من عالم رياضيات أن يعطيك أكبر عدد على وجه الأرض؟
سيجيب بنبرةٍ ساخرةٍ اللانهاية (∞) وهي رمز رياضيّ للتعبير عن اللا محدود وغير المتناهي فكلّما قلنا هذا الرقم أكبر يمكننا ببساطة جمعه لنفسه فيتضاعف ويصبح الناتج هو الأكبر وهكذا

بينما لو طلبنا من مستثمر أو بائع تفاح أن يعطينا أكبر عدد من “التفاح” على وجه الأرض؟
لكان الرد -على فرض أن جمعها ميسور ممكن- كمّيات هائلة من التفاح بحيث سيصل عدد الحبّات -مهما كان كبيراً- إلى نهاية حتماً

إذن لا وجود لأكبر أو أصغر عدد في فضاء الرياضيّات ولا معنى لهذا الكلام أصلاً، لكن في فضاء الواقع هناك نهاية حتميّة لأي عدد مرتبط بمادّة

إنّ عمليّة ربط العدد المجرّد بالمادّة تدعى بتكميم المادّة، وهي ترجمة لكلمة (Quantization) مصطلح شائع في الفيزياء والهندسات والعلوم التطبيقيّة

ما يعنينا من هذه المقدّمة هو استنساخ فكرة التكميم في فضاء المعرفة بمفهومها الواسع والممتد، فالمعرفة -كما العدد- قد تكون مجرّدة لا تخضع لسياق ما وقد تكون مكمّمة ترتبط بالواقع كمّاً وكيفاً، وسنأتي على شرح ذلك من خلال الأمثلة المتعدّدة والوجوه التي تحملها كلمة معرفة

في العالم الافتراضي، يقدّم الفيس بوك لمستخدميه ثقافةً ومعرفةً -تختلف بحسب اهتمامات كل مستخدم ورؤيته ومفهوم الثقافة والمعرفة لديه- وتتمثّل بالمنشورات التي تنهال على صفحته في آخر الأخبار ومن خلال المجموعات والصفحات، وبصرف النظر عن سلبيات الفيس بوك وإيجابياته أو حتى ماهيّته، فإنّ هذه المعرفة المقدَّمة هشّة وغير مكمّمة وبالتالي لا تفيد في بناء الإنسان المثقف، بل لا تقوى هذه الثقافة على بناء رؤية واضحة ومنظومة فكرية متكاملة لدى الإنسان

على العكس من ذلك فإنّ المواقع والمدوّنات -التي عادت لتحتلّ مكانتها الطبيعية بعد أن اهتزّت قليلاً بمواقع التواصل الاجتماعي- تقدّم للقارئ معرفةً مؤطّرة ومبوّبة يمكن تصفّحها مقاصدياً وبطريقة مدروسة غير عشوائية، فالمعلومة حين تأتي ضمن سياقها مسبوقة بفكرة ممهّدة ومتبوعة بإسقاطات عليها تنتج وتثمر، أما الأفكار المغتصبة من هنا وهناك بغرض التجميع والظهور بمظهر المثقّف الموسوعي صاحب المعلومات الوفيرة والأفكار الغزيرة فلا تعدو أن تكون كما يقول الشاعر: (ألقاب مملكة في غير موضعها .. كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد)

والسياق هنا ليس المقصود منه تسلسل عرض الفكرة وعنونتها وتبويبها وحسب، بل إن القارئ جزء من بناء السياق الذي ستثمر فيه براعم الأفكار، فالمعلومات والأحداث المرتبطة بالفكرة والمشاعر والاختلاجات النفسية التي تصاحبها والتي ينبغي أن يلمّ بها القارئ ويدرسها -ويعيشها كتجربة واقعيّة في بعض الأحيان- سماد جيّد لتخصيب السياق

من ذلك الأفكار المرتبطة بحالات الفقر والحرب والحبّ مثلاً، والتي لا يمكن إدراكها على حقيقتها إلا من خلال معاينتها عن قرب، والسبب يعود لارتباط الفكرة بمشاعر وجدانيّة على طول الحالة.

ولتقريب الفكرة يمكن طرح العديد من الأمثلة الأخرى أيضاً، فهذه العلمانيّة العربيّة جاءت مبتورة السياق حتى وقت قريب، تدور في فلك التقليد واستنساخ تجارب الدول المتقدّمة بحثاً عن الحل، لكنّها أغفلت مسألة دراسة العلمانيّة الغربية من حيث سبب ظهورها والحاجة إليها رداً على عصور الظلمة وسلطة الكهنوت.

إنّ الكتب التي تجمع معلومات شتّى تحت عناوين برّاقة (كذا وكذا معلومة مفيدة)، أو المسابقات أو ألعاب سؤال وجواب وما شابهها لا تقدّم معرفة حقيقية ولا تبني في المرء إنساناً صاحب رؤية، وغالباً ما يكون غرضها تسويقيّ ربحيّ، قد تفيد إن بقيت ضمن إطار اختبار الثقافة الموجودة أساساً لكن اعتمادها مصدراً للتثقيف -كما يفعل معظم الناس- جهالةٌ وبله

قد يصمد حاصد المعرفة بالطريقة التجميعيّة هذه، وقد يجد في المجتمع من يحترمه وتنطلي عليه الحيلة لكنّ اختبارات الحياة العمليّة ومواقع المسؤولية ستحطّم آماله وتسفّه أحلامه، ستجبره القرارات المصيرية على مراجعة الذات أو السقوط في الظلمات.

لا يخفى على كلّ مطّلع الفرق بين الفتوى والحكم في سياق الفقه الإسلامي، فالحكم بحرمة الشيء أو بإباحته يختلف عن الإفتاء، ذلك أنّ الإفتاء يخضع لسياق محدّد بزمان ومكان وأشخاص يتعيّن على المفتي أن يلمّ بها جميعاً.

إذن؛ إنّ تشييد برج الثقافة وبناء المنظومة المعرفيّة ينبغي أن يخضع لقواعد السياق بعيداً عن محاولات التقليد الأعمى واستنساخ تجارب الغير -إن جاز تعريفها بـ أل- أو اجتزاء المشاهد من غير الوقوف على كامل القصّة.  

حالة

ضحكة عابرة

كنت في طريقي إلى المجهول حين مررت بجانبهم، كانت علامة البراءة باديةً على وجوههم، والضحكة ﻻ تفارق شفاههم، دخلت كالسهم الحادّ من طرف مقلتي لتستقرّ في أعماق الفؤاد، ضحكاتهم تلك آلمتني حتى ارتسمت على وجهي بسمةٌ عابرة .. بسمةٌ تحمل بين طيّاتها سخرية القدر!
كيف تجرؤ ابتسامة أن تسطع على وجه امرئٍ متألّم؟ كيف استطاعت شفتاي تشكيلها؟!

نعم، إنها الذكرى
إنّي تذكرت والذكرى مؤرّقةٌ .. حبّاً، وودّاً، سعادة
تذكرت أختاي وهما ترويان لي روائع القصص عن أحلامهما وآمالهما المستقبليّة، كنت أسمع كلماتهما وأنسج في مخيّلتي ما أمكن منها، حينها كنت أستطيع أن أملأ الأرض ابتساماً وفرحاً
كي أكون صادقاً، لقد كنت ألتهم الوقت كله في الحديث وهما تصغيان ثم أترك لهما فتات الوقت ليتكلموا ما لديهم.

هي عادتي منذ الصغر، أحب الكلام والتعبير، أجول في ساحات الكلام كمحارب يتبختر ويستعرض قوته ورزانة أفعاله، كانت عيناهما تلمعان كاللآلئ فرحاً بأخيهما، كان يمنعهما من إظهار ذلك خوفهما من عاصفة الغرور أن تصيبني، كانت تصيبني عاصفة من السعادة سرعان ما تتحوّل إلى ثقة بالنّفس وسكينةٍ في القلب وراحةٍ وثبات، كانت ردّات فعلهما إزاء المواقف التي أتلوها عليهما تعجبني وتبعث في نفسي سعادة أترجمها بضحكات متناغمة
أذكر أن الحديث كان يطول والسهرة تمتد أيّام البكالوريا، ربّما هرباً من الدّراسة!
صوتٌ من الداخل يأتي فيخرجنا من أحلامنا، إنه صوت أمي “تعالوا كلو” وياله من صوت..

ثم جاءت الأيام وأخرجتنا من أحلامنا وبيوتنا وأنفسنا ومن واقعنا وزجّت بنا في طاحونة الألم والمعاناة حتى لقد أنكرنا ذواتنا

ضحكات الأطفال تلك أيقظت في نفسي وحش الحنين الذي لطالما خشيته، وأشعلت نيران الشوق التي لطالما ردمتها بحياة مصطنعة! .. فكانت نيرانا تحت الرماد.

(بقلم القلب)
لعلي أكتب ما أكتب مستغلّاً غفلة الدّماغ ويقظة القلب النابض بالمشاعر لكن حين يستيقظ ذلك اللعين سيمنعني من المتابعة، سيحرمني قلمي وحنجرتي ثم يدّعي أن كل ما يفعله إنما هو في مصلحتي، لكي أبق على قيد الحياة
ليته يعرف أي حياة تلك التي أعيشها بلا رئتاي وقلبي وكبدي!
سأستغلّ كلّ لحظة يغفو فيها ﻷبث همومي وأفرغها على صفحة بيضاء نقية

صرت أعشق البياض والصفاء والنقاء وقلما أجدها في الناس، ليس فيهم صادق
يشعرونني بأنهم يدركون معاناتي ويتألّمون ﻷلمي .. لكنهم ليسوا كذلك
وحده الذي يعاني ما أعاني ويشرب من نفس الكأس يعلم مرارته ولوعته

(بقلم العقل)
لم أعهدك ضعيفاً هكذا، صحيح أن الألم يفتّ في عضدك لكن لم يبلغ بك الأمر حدّ السقوط

(القلب ثانيةً)
يبدو أنك استيقظت، ومهما حدّثتك وحاولت إقناعك لن أحصد سوى خيبة الأمل لذا سألزم الصمت وأراقب من بعيد، وأتحيّن الفرص ﻷطلّ من جديد وأفرغ ما في جعبتي والسلام

(العقل من جديد)
أنهى حديثه وانصرف، ﻻ علم لي بما يقول، لعله يهرف بما ﻻ يعرف أو يختلق الأعذار ليتكلّم ويرينا براعته وما هو إﻻ لعوبٌ كذّاب!
عد إلى حياتك وعش واقعك وحقّق المزيد من نجاحاتك فالوقت أنفس ما عنيت بحفظه، وأراه أسهل ما عليك يضيع 

رؤية أخرى لبناء الروبوت

تردّدت كثيراً في اختيار عنوان للمقالة بعد اكتمالها ثم انتهيت إلى اعتبارها رؤية مختلفة لبناء الروبوت اعتماداً على الكائنات الحية، غرضها الإجابة على السؤال التالي

ماذا عن توظيف الخلايا الحيوية لبناء أجهزة أكثر ذكاءً وكفاءة؟

إنّ سعي الإنسان خلف هذا الكون حاملاً معول العلم للتنقيب عن أسراره يبهج الفؤاد ويبعث السعادة في النفس، عدا عن كونه تحقيقاً عملياً للغاية الإلهية من الخلق، فالاختلاف سمة الكون الظاهرة فيه والدقّة والانتظام في تراكب المكوّنات وتجمّعها يثير الدهشة ويحثّ على تتبّعه والكشف عنه

ليس الانتظام هنا مرادفاً لكلمة (static) والتي تحمل معاني الجمود والقولبة والبنى الجاهزة التي تفتقر للحياة والتجدّد والتشكّل مرّة بعد مرّة، لا لا ليس ذاك إنّما هي حركة ذات إيقاع يغريك بتتبّعه وكشف اللثام عن أسراره مع غموض مغرٍ وممتع

يمكنني تشبيه ما يحدث بجملة من المعاملات التي تتأثّر ببعضها تبعاً لتوابع متغيّرة، وهذا ما يذكّرنا بقطّة شرودينغر، أو الفيزياء الكمومية

ومن صور هذا السعي محاولة الوصول إلى آلة شبيهة بالإنسان بحيث تجتمع فيها الوظائف الحيويّة من سمع وبصر وفؤاد

إنّ مجال الذكاء الصنعي -المكرّس تماماً لهذه الغاية- يتقاطع مع معظم العلوم والمعارف الإنسانية منها والتطبيقيّة، لا سيّما تلك التي تكشف عن ماهيّة الوظائف الحيويّة عند الإنسان والآلية التي تعمل بها، وذلك بغرض نمذجتها ومحاكاتها عبر الأدوات والتقنيات الصناعية المتطوّرة

فمثلاً لنمذجة الرؤية الحاسوبيّة -عينا الروبوت- ينبغي فهم وتحليل آلية الرؤية عند الإنسان بيولوجيّاً، الأمر الذي يأخذنا إلى ساحة الفيزياء، هكذا كلّما اردنا معرفةً أعمق تطلّب الأمر منّا بحثا أكبر حتى نصل إلى ميكانيكا الرؤية -إن صح التعبير- من تحليل لأطياف الضوء والمساحة اللونيّة والعصيّ والمخاريط والإسقاط الشبكي وتفسير السيّالة العصبية البصرية في الدماغ و إلى ما هنالك

إذا ما انطلقنا من نقطة بناء الروبوت، فمع كلّ خطوة تتشعّب بنا الطرق وتتفرّع، وكل فرع يأخذنا إلى تفريعات أصغر وأكثر عمقاً ولا ندري هل للأمر نهاية أو لا؟
سنفترض أنّنا وصلنا إلى تصوّر علميّ معمّق عن آليّة عمل الرؤية لدى الإنسان واستطعنا فهم معاملاتها كلّها وغرض كلّ منها والإضافات التي يقدّمها كلّ معامل في إطار تحقيق هذه العمليّة، ولنتابع حديثنا خطوة واحدة فقط إلى الأمام

بعيداً عن كلّ ما ذكرنا، فإنّ تحدّياً أعظم بانتظارنا وهو كيف يمكننا بناء النموذج المحاكي؟ وما هي الأدوات المتوفّرة بين أيدينا؟ وهل يمكننا الاعتماد عليها؟ وإلى أيّ مدى؟ .. كلها تساؤلات ذات دلالات وهي تحتاج منّا إجابات دقيقة صادقة

حتى الآن فإنّ عناصر الأجهزة التقنية والذكيّة -نوعاً ما- من دارات الكترونية ومنطقية وخلايا ضوئية وحسّاسات، كلّها تخضع لقوانين الفيزياء، وهي محدودة الأداء ومقيّدة جداً وخير مثال على ذلك صناعة المعالجات وما تعيشه من حالة قصور وتباطؤ فيما لو استطعنا الخروج من حدود الآلة وإمكانياتها الهزيلة

ظهرت دراسات مكثّفة، وبنيت مخابر أبحاث عديدة تُعنى بدراسة ما يعرف بـ (الوحل شبه الذكي)، كل هذا لأجل مخلوق بسيط من عدّة خلايا لا يكاد يُرى بالعين المجرّدة (Physarum polycephalum)

يميل هذا الكائن إلى العتمة والرطوبة وغذاؤه المفضّل عصيدة الشوفان، ويتمدّد هذا الكائن حيثما وجد الطعام مشكّلاً توصيلات وعقد، العجيب في هذا الكائن أنه يبحث عن الطريق الأقصر والكلفة الأقل لبناء شبكة من الوصلات بين قطع الشوفان! وهذا السلوك مطابقٌ تماماً لمسألة شهيرة جدّاً في الخوارزميات وتعرف بـ مسألة البائع الجوّال
(TSP::Travelling Salesman Problem)

لحلّ هذه المسألة هناك خوارزميات عديدة درجة تعقيدها عموماً (n)، لكن هذا الكائن يستطيع حلّها ببساطة وهو يبحث عن طعامه، وحتى الآن يحاول العلماء تفسير ذلك بطريقة علميّة، لكنّ ما يهمّني هنا ليس تفسير الظاهرة وسبر غورها بقدر ما أهدف إلى لفت أنظار العالم إلى هذه الأداة الحيويّة العظيمة
ربّما -كرؤية خارج إطار السائد والمتعارف عليه- نستفيد من هذه الأدوات الحيويّة في صناعة الأجهزة الذكيّة والتقنيّة، تعِدُ هذه الخطوات ومن الناحية النظريّة بتحقيق إنجازات عظيمة وقفزات نوعيّة في مجال التكنولوجيا والتقدّم العلمي

إنّ أي شيءٍ من صنع الإنسان يفتقر إلى الروح، وإلى الحياة والتجدّد، لذا نجد عجزاً واضحاً فيها للتعبير عن الوظائف الذكيّة كمعالجة اللغة والرؤية والتعلّم الآلي

لاشكّ أن أي طالب هندسة قد سمع شيئاً عن مثلّث (الكلفة والأداء والزمن) وعن الموازنة الدائمة بينها لتحقيق شيء من الأمثلية الواقعيّة، وسبب هذه الظاهرة بالدرجة الأولى حدود الآلة والمعدّات الصناعيّة
والسؤال المهمّ هنا هو ماذا لو تمكنّا من جعل هذه الخلايا -ذات الوظائف الحيّة والجزئية- تشارك في إنجاز عمل ما يتطلّب ذكاءً وكفاءةً وسرعة في آنٍ معاً؟

ربّما هي تكهّنات لكنّها تستحقّ التجربة لأنّها ستعيد بناء فهمنا للتقدم التكنولوجي وتربطه بتحدّياتٍ أخرى

لعلّ سائلاً يقول: وكيف سيتمّ ربط كلٍّ من دخل وخرج هذه الأداة مع بقيّة الأدوات في المنظومة لإتمام عملها
والجواب الأوّلي على هذا أنّه ليس هناك حلول بسيطة وجاهزة دوماً .. علينا أن نسعى ونبحث حتى نصل إلى ذلك، فالجواب إذن سيخرج من مركز بحثي مختصّ وليس من هاوٍ يكتب قدر ما ترى مخيّلته!

الأقنعة ومستحضرات التجميل

كانت كذبةً محكمةً حين قالوا أنه “قناع أخضر، قناع جميل، قناع ليس له مثيل” .. ابداً

ليس هناك قناع جميل مطلقاً، بل إن التقنّع نقيض الجمال، القناع رديف كلّ من الخداع والتناقض والتلوّن والعبث فأين الجمال في ذلك كلّه؟

لا أدري متى بدأت فكرة مستحضرات التجميل لكنّها سقطة من سقطات الإنسان في عالم الحياة، رغم ذلك فالسقطة المدوّية لم تكن هنا بل إنّها في ما يعرف الآن بـ “طبّ التجميل”، حين يوضع هذا العلم في سياقه العمليّ والتنفيذي لا يمكن أن يكون تجميليّاً

ما يدعوني للتفريق بين مرحلتي هذا العلم النظرية والتطبيقية تلك الهوّة الواسعة بين مقاصده حين بدأ وما وصل إليه الآن

من الطبيعي أن يتّجه العقل الطبّي وبكلّ قوّته باحثاً عن لمسة شفاء لجرحى الحروب حتى يتجاوزوا الإعاقة والتشويه ويندمجوا من جديد في المجتمع وهم بحالة صحيّة ونفسيّة جيدة، لكن استخدام أدوات هذه الغاية النبيلة في الخداع غير مستساغ، بل إنّه تعدٍّ على العلم وغايته

لقد فعل بنا السيليكون الأفاعيل، ليس على مستوى عمليات التجميل القبيحة وحسب، بل إن معظم الخطب والمقالات والكتب والحوارات محشوّة بمادّة السيليكون

اقترحت مرّةً أمام أصدقائي أن نضع في قاعة المطالعة -المخصّصة للدراسة- في كلّيتنا جهازاً يلتقط الجمل المفيدة، وراهنت أنه سيخرج لنا بجملة أو اثنتين نهاية كلّ أسبوع، وباقي الكلام إمّا كذبة صريحة أو كذبة مغلّفة بالأقنعة لتحقيق غايات شتّى

يمكننا وضع الجهاز نفسه على المنابر التي يصدح بها الخطباء بصوت الواثق العارف الذي يظنّ أن الحكمة ولدت من بين شفتيه، لكنّ مراهنتي هذه المرّة أشدّ، سيحترق الجهاز فالمهمّة المسندة إليه فوق ما يحتمل!

وحتى لا يبتلعنا داء التعميم أقول إلا ما رحم ربّي

يعنون الدكتور أحمد خالد توفيق مقالته بـ “خداع النفس فن” ويذكر لنا خلالها مشاهد مضحكة من خداع النفس بعد تعريتها من طبقات الزيف وتكلّسات الأكاذيب، يمكنك الاستمتاع بقراءة المقالة وإن شئت الفائدة مع المتعة يتوجّب عليك أن تعيش لحظة صدق مع نفسك، لحظة واحدة بعيداً عن كلّ الأقنعة ومستحضرات التجميل، ستجد ذلك صعباً في البداية لكنّه مريح وممتع .. ستشعر بالسعادة تفيض بين جوارحك وبروعة الصدق تتسلّل إلى أعماقك

لا أريد أن أرتدي قناعاً أمامك؛ فأنا لم أستطع فعل ذلك

لقد قرأت المقالة واستمتعت بها ثمّ تجاوزتها إلى غيرها باسماً دون حراك، غير أنّها حرّكتني لإضافة بضع سطور صادقة

حين بدأت الكتابة عن “الأقنعة” قلت في نفسي لا يستحق الموضوع تدوينة كاملة، إن هي إلا كلمات يسيرة، لكن ومن خلال المتابعة والتعميم رأيت أن الأقنعة منتشرة بشكل لا يصدّق في حياتنا وأنّها تستحق مع القول فعلاً

كم من بائع حليب يخلط اللبن بالماء، كلنا نبيع اللبن مخلوطاً بالماء
كم من قيس يطوي الليل بطوله ينسج قصيدة غزل معسولة ليواجه بها ليلى في الصباح، يجمّل نفسه أمامها فيحسّن ألفاظه ويهذّب حركاته، يسوّق لنفسه كأنّه استجمع كلّ خصال الخير
كم من استاذ محاضر يرتدي قناع العلم ليحقّق لنفسه شهوة الظهور باسم المعرفة والعلم، كم من ‘شيخ‘ يرتدي قناع الدين ليمرّر مصلحته باسم الله والدّين، كم من حاكم يرتدي قناع الديمقراطية ليمرّر مشروعه باسم الشعب والديمقراطية كم وكم؟!

يخيّل إلينا أنّ كشف الأقنعة وتلمّس المشاعر الصادقة لدى الناس أمر شبه مستحيل لذا تبدأ نظريات التعميم بإحالة كلّ مشاعر الناس وحقائقهم لمستنقعات الكذب والرذيلة، أو إحالتها لواحة الصدق والفضيلة، وكلاهما غير صائب
صحيح أنّ الأقنعة ظلمات بعضها فوق بعض لكنّ شعاعاً من نور الحقيقة يبدّدها كلّها، لن أتكلّم في الروحانيات والغيبيّات، فقط سأشير إلى تلك الحاسّة -السابعة أو العاشرة أو أيّاً كان ترتيبها- التي تتبيّن من خلالها صدق المرء من كذبه
أمر لا يمكن وصفه .. فقط يمكننا الإحساس به، فليعتبرها المؤمنون بالعلم قرون استشعار للعواطف والأحاسيس والمشاعر الصادقة

المشكلة أنّ هذه الحاسّة معرّضة أيضاً لداء التقنّع، فقد يوظّفها صاحبها لإشعاره بصدق الكاذبين أو كذب الصادقين بحسب رغبته وشهوته هو فتستحيل بذلك قناعاً بدل أن تكون أداة لكشفة الأقنعة
ليس أمراً مستغربا فقد فعلوا ذلك من قبل بالدّين والعلم والأخلاق، كلّها معرّضة لداء التقنّع، وعند كثيرين فإنّها مصابة بالفعل به، يوظّفون العلم والدّين والأخلاق لتحقيق غاياتهم اللا أخلاقية

ربّما تتساءل كيف للأخلاق أن تحقق للإنسان مكاسب لا أخلاقية؟
يحضرني في الإجابة على هذا السؤال مائة مثال ومثال، سأكتفي بالمثال وأدع لك المائة 🙂

حين ‘يتواضع‘ المرء طمعاً بإكبار الناس له وتعظيمه والثناء عليه، هو بذلك يستخدم وبصفاقة عجيبة خلق التواضع في إشباع شهوة الغرور لديه، حتى نخرج من هذا الداء سنحتاج إلى إعادة تعريف معادلة التواضع لتشمل هذه الحالة

مثال آخر حتى يفرط عقد المائة
حين يتعاطف معها ويمدّ يد العون لأنّه “إنسانيّ”، ولو أنّها كانت “هو” بدل أن تكون “هي” أو لو أنّها لم تكن شقراء الشعر زرقاء العيون لمات هذا الإنسان الذي في داخله وتحوّل إلى ذئب قبل اكتمال القمر!
ألم يوظّف خُلُق الرحمة والعطف هاهنا في شهوة وضيعة؟

mask

ليدقّق كلّ واحد فينا بما يقوله، سيجد أقنعة لا حصر لها

أن لا ترتدي القناع لا يعني بالضرورة أن تكون صفحة مكشوفة أو بيتاً مستباحاً يمكن لأي أحد أن يتجول فيه متى وكيف شاء!

يجب أن تكون للمرء مساحة خصوصيّة في الحياة اليومية العامّة والفكرية وعلى كلّ المستويات، إن لكل شيء حرمة وحرز يزيد في قيمة الشيء ويرفعه عن مستوى الخوض والعبث والاستباحة، وهذا يتّفق مع التشريع الإلهي “الحجاب” وهو في عمق معناه وأساس تشريعه بعيد كلّ البعد عن القناع

إن الحجاب قبل أن يكون غطاءً لجملة الخلايا الميّتة المسمّاة “شعر الرأس!”، وقبل أن يكون زينة اللباس المتناسق الألوان، وقبل أن يكون قناعاً لستر تجاعيد الشعر ومعايبه، إنه قبل ذلك كلّه لحن الوقار والإكبار الذي لا تملك حين سماعه سوى الاحترام، وفي جانب المرأة يعمل هذا اللحن على الرقيّ بها من خلال الحفاظ على مساحة الخصوصيّة
قد لا يكون خلف هذا الحجاب جديد -الصلع عند المرأة لا يعفيها من الحجاب- لكنّ رمزيّته التي يحقّقها لدى الطرفين تحتاج تعاضد الأدباء والفلاسفة لتفكيكها وعرضها

ومن المؤسف جداً أن معظم اللواتي يرتدين الحجاب لا يعرفن شيئاً عن هذه المعزوفة، هم فقط يرتدونه!

لا بدّ من التعقيد والمجاز والعمق والمعنى في الحياة، لا تكفي البساطة والسطحيّة
وعلى كلّ حال لا بدّ من الصدق دوماً .. أقلّها الصدق مع الذات