في ظنّي أنه لا يفصل بين الإنسان ورفاهيّته في مجتمعنا -وفي ظلّ هذه الحرب القاسية- سوى كلمتين؛ يتخلى من خلالهما عما يزعم كثيرون أنه مبادئ عقائدية، وطنية أو قومية!

سأحاول تفكيك الجملة السابقة بقليل من التحليل وكثير من الواقعية..

لا شك أنّ الحياة وقفة عزٍّ تتغيّر فيها الأقدار، وأنّ المواقف والمبادئ بكل توجهاتها هي روح الكون والحياة، لكن حين يؤول الأمر لمقارنة حياة الإنسان وحياة المبادئ بعلاقة إما / أو، فتلك قصة أخرى؛ عليها مدار هذه المقالة

المغلوبون

بفرض أننا متفقون على كون المبادئ التي يحملها المجتمع وتتبناها الدولة صحيحة الغاية والمبدأ؛ وأنها الممثل الوحيد للهوية والتاريخ والثقافة.

وبفرض أن البرنامج التنفيذي لهذه المبادئ -بما فيه من خطوات عملية تطبيقية- هو الأقرب للصواب والمعقولية والواقعية، وهو الأقدر على حمل هذه المبادئ إلى ساحات التطبيق.

وبفرض أن هذا البرنامج يشتمل على نقد ذاتي لتقويم اعوجاجه مع الزمن، ويتقبل النقد الخارجي ويفتتح له مسلكاً للحوار والمناقشة، وأن الهيكلية التنظيمية للقائمين على المشروع تعكس اهدافه وتسعى لتحقيق غايته.

بفرض كلّ ماسبق، لا تزال المفاضلة بين حياة المبدأ وحياة الإنسان جريمة كبرى.

لو عرضنا سريعاً لبحث الكليّات الخمس ومداراتها وحاولنا ترتيب كل من الدين والإنسان والمبدأ والمال بحسب الأولوية ماذا سيكون الجواب؟

الإنسان هو أولويّة الأولويات قبل الدين والمال والمبدأ، وربما قبل أي شيء، ليس فقط لأهمية الإنسان وارتباطه بروح الله بل لأنه الجوهر الحاوي لها والمتمثلة به.

لندقق قليلاً في الآية
[فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]

والذي يُفهم من سياق قوله تعالى أنّ العبادة تقوم لله طالما أن أساسيات حياة الإنسان -من أمان غذائي وأمان على الحياة- متوفرة، وحيث الجوع والخوف والفقر فثمّ لا عبادة، لا معنى للعقائد والمبادئ والديانة حين يجوع الإنسان ويخاف، ولذلك يقولون الفقر كفر.

في الحقيقة لو كان الأمر يقتصر على الرفاهية كضريبة لهذه المبادئ لكان الأمر سهلاً يسيراً، ولكان الحديث مختلفاً؛ لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير، يتجاوز حدود الممكن ويتعدّاها بأشواط، حيث اللا ممكن واللا معقول.

بالعودة لفكرة المبدأ أساساً وضرورة تبني الفرد والمجتمع مبادئ في حياتهم -ماينطبق على الفرد ينطبق تماما على المجتمع- نرى أنه ليس بالضرورة أن يكون المبدأ في خدمة رفاهية معتقديه فلسفياً وتاريخياً، فقد يتبنى المجتمع مبدأً يكون سبب تعاسته وتدميره، وقد يحمل مبادئ تنعشه وتحقق رفاهيته

لا يمكننا تبسيط القضية لمعاملين فقط؛ فالنتيجة لاتتعلق فقط بالمبدأ بحد عينه من الناحية النظرية، وإنما تتعلق أيضاً بآلية التطبيق وطريقة الفهم وترابط المبدأ مع مبادئ أخرى ومدى إيمان الأفراد بالمبدأ والتزامهم به وكذلك علاقة المجتمع بالمجتمعات المجاورة ومعاملات كثيرة أخرى

الأمر الوحيد الذي يمكن تثبيته وهو ما انطلقنا منه أن الإنسان هو أولوية الأولويات وكل ما عداه قابل للتحريك تبعاً لما فيه صلاح العباد والبلاد.

ربما يجدر بنا إعادة النظر بقراراتنا ليكون الإنسان أولويتنا، فبدونه لا معنى للمعتقدات والمبادئ، بدون الإنسان لا معنى للمجتمع والأمّة والدولة ..

Advertisements