أرجوحة الفكر والحياة

حياة الإنسان مليئة بالتبدّلات والتحوّلات، ليس على مستوى الأفراد وحسب بل على مستوى الجماعات والأمم، إذ التغيير صفة لصيقة بالحياة، وما من شيء حيّ إلا وتطرأ عليه التغييرات بمرور الزمن، كل المتحوّلات تابعة للزمن

حين يبدأ الشابّ حياته تتشكّل أفكاره نتيجة الثقافة المحليّة وتكرار كلام القوم -إنّا وجدنا آباءنا- ثم بعد ذلك يفترق عن أقرانه ويتفرّد كلّ منهم بمنهجه ليشكّلوا بمجموع أفعالهم فرقاً وأحزاباً متعدّدة

فهل يمكن اعتبار ذلك إشكالية؟ ما السبب؟ ومالعلاج؟ 

بداية لا يمكنني تشخيص الأمر على أنّه مرض، بل المرض أن يستمرّ الإنسان بتلقّي الأفكار الموروثة دونما “تساؤل” 

نعم إن التساؤل محرّك عجيب للمرء يبعث في نفسه روح التساؤل والبحث عن الإجابات في كلّ منحى وكلّ جزئيّة على امتداد هذا الكون، إن سبب هذه الظاهرة إذن هو التساؤل وكلّما زاد حجم التساؤلات ودقة وحساسية موضوع التساؤل كلّما زاد مقدار الفرقة بين الأقران والتخالف عن عادات المجتمع والسائد المتوارث

الأمر أشبه ما يكون بأرجوحة العيد .. نعم أحتاج من الأرجوحة في مقالتي هذه خصائصها الفيزيائية لأوضح فكرة هامّة جداً

download

يبدأ المرء حياته والأرجوحة ساكنة -مقلوبة-  ذاك السكون القلق وأي حركة أو هزّة تسبّب فوضى كبيرة

يساهم أرباب المجتمع كثيراً في تقييد الشاب أوّل حياته وهم يدّعون حمايته من الوقوع في المهالك والمشاكل، يحرّمون عليه التساؤل، التفكير، البحث، والتنقيب في الكتب .. هناك أسئلة محرّمة، وكتب محرّمة، وأفكار محرّمة .. كل ما يحوي شبهة الإضرار بمصلحة الفرد -من وجهة نظرهم- يحرّمونه، تبدأ أرجوحة الشابّ بالسكون لكن في الأعلى حيث التوازن قلق غير مستقر

ولكي يحكم المجتمع السيطرة على أفراده يكبّلهم بحبال الجمود والتبعيّة والرؤية الواحدة والمشرب الواحد كمن يحاول إبقاء الأرجوحة ثابتة مستقرة في الأعلى ويربطها بحبال متينة ليمنع تحرّكها ذات اليمين وذات الشمال، ولو أنّهم أدركوا سنن الكون والحياة لما حاولوا كسر إرادة الناس وفضولهم الإيجابي وفطرتهم في التساؤل والبحث وحب المعرفة

لا يمكن أن يستمر توازن الأرجوحة في الأعلى مهما سعوا إلى ذلك سبيلاً، إن الأجوبة الحاضرة في أذهان الشباب اليوم لجملة من تساؤلات الحياة تسبب تناقضات أكثر من التي تسعى لحلّها، وكلّما سعى مفكّر تقليدي أو كاتب أو باحث ينظر بمنظار المجتمع ويكيل بمكياله لدراسة ظاهرة وحلّ تناقضاتها زاد الطين بلّة والأمر تعقيداً! .. لأنه وخلال أبحاثه يسعى لإسكات العقل عن السؤال والتفكير وإرغامه على العودة إلى حالة التلقّي الجامد للأفكار الموروثة، تخرج معظم الكتب للناس تحت عنوان مبطّن يرسّخ فينا “إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مقتدون”

“كلّما زاد احتكاك المرء بأفكار الآخرين ورؤاهم المختلفة كلما اقترب أكثر من مركز التوازن المستقر، في البدايات سيشعر بحالة من الاضطراب الشديد، تتقلّب أحواله من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال جيئةً وذهاباً ونتيجة لاستمرار الحركة والاحتكاك تنشأ طاقة حرارية تتغلغل في أعماق المرء لتبثّ الدفء واليقين، وبمرور الوقت وانتشار الطاقة تخفّ الحركة وتنتقل تدريجياً من طاقة حركية إلى طاقة كامنة يختزنها الجسم على شكل أفكار ورؤىً ونظريات تعينه على فهم الحياة والكون”

بعد فترة من الزمن يصل الجسم إلى مرحلة التوازن المستقر، وعندها يكون قد دخل مرحلة الإيمان الحقيقي بعد عراك طويل مع أفكار الواقع المعاصر وعاداته، نريد إيماناً يتمركز في موضع التوازن المستقر، لا تؤثّر فيه رياح الشبهات والنزوات ولا يعتريه حالات تقلّب كاملة إنما تصحيح مسار وزيادة دقة في التموضع تماما في المركز ‘مركز الكون‘

حين يطرأ على الجسم تغيير يجعله يقلب حالته ويحرف مساره سرعان ما تتشكل قوة معاكسة لذاك التغيير تحاول العودة بالجسم إلى حالة التوازن المستقر، هزة واثنتين يكتسب الجسم طاقة ويعود لحالته الطبيعية .. لفطرته السليمة، لمنشأه وإنسانيته الأصيلة

Advertisements

One thought on “أرجوحة الفكر والحياة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s