تقام في كثير من البلاد التي تحترم شعوبها سباقات جادّة لكسب ثقة الجماهير وأصواتهم كذلك، وقواعد هذه السباقات فضفاضة

ما أكثر اللوحات الإعلانية والحملات الإعلامية لهذه السلعة أو ذاك المنتج، والتي تسعى جاهدة لكسب ثقة المستهلك ورضاه

إن الثقة هي الأرضية لبناء أي مشروع، وكلّما كانت متينة كان البناء أشدّ ثباتاً وأرسى دعامةً، ولا يخلو مشروع ناجح من حالة ثقة كما لا يخلو مشروع فاشل من أزمة ثقة

إذا أردت دخول الحياة الاجتماعية فرأس مالك الثقة ولن تفلح بدونها

إن السير مع متتاليات الأحداث دراسةً وتحليلاً يفضي بالضرورة إلى عنصر الثقة، وسبب ذلك حسبما أرى سعة الكلمة واحتواؤها جملة من العوامل الضرورية لتمام مشروع أو استمرار علاقة، فالثقة تحمل في طيّاتها معاني الإخلاص والوفاء والأمانة وتحمّل المسؤولية والالتزام وحتى الأمل والرجاء

لذا أجدُ في عزو المشاكل والأزمات -على المستوى الفردي والجماعي- إلى انعدام الثقة بصيغة التعميم فيه شيء من الغبن والغرر، إذ هو تشخيص خالٍ من الدقّة والتحديد المطلوبَين لمعرفة العلّة على وجهها الصحيح

إن الثقة لا تأتي من فراغ، ولا بدّ لها من وقود يبقيها متّقدة فكيف بنا والماء يحاول إخماد جذوتها في كل حبن

لقد تحطّمت الثقة بين الشباب المنتفض ورموز الأمة -ولا يغيّر السبب سواء كان جهلنا أو المؤامرة في النتيجة شيئاً- ولولا الخطابات المفصومة عن الواقع التي يمطرنا بها سياسيّو هذه الأيام، والأحكام والتشريعات المريّخية التي يستوردها لنا علماء دين يعيشون معنا جسدا لكنّ عقولهم تحنّ لما قبل الابجدية واكتشاف النار!، والأفكار والنظريّات الافلاطونية التي يسعفنا بها أطباء المجتمع ومثقفوه .. لولا كلّ ذلك وأضعاف أضعافه لما أمكن تحطيم جسر الثقة بحال من الأحوال

أدرك أن الأعداء لا يغمض لهم جفن ولا يهدأ لهم بال حتى يهدموا هذا الجسر وأن العصيّ التي تضرب في العجلات ما أكثرها لكن ذلك لا يهدم جسرا متينا .. إنه كفيل بهدم جسر مهترئ تآكل حتى أٌتخم ونخر فيه الصدأ من الداخل حتى  كأنّه يريد أن ينقضّ

لعلّي أجترء فأقول .. ثقة المسلمين -فضلاً عن غيرهم- بقدرة الإسلام على قيادة المجتمع الإنساني تتضاءل شيئاً فشيئاً، ويترافق ذلك مع السقوطات المدوّية لتجارب “إسلاميّة” في كل من الساحات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، لقد أمسى الشاب المسلم ما يلبث أن يفتح عينيه على الواقع وقلبه مشتعلً بالهمّة والأمل بالتغيير حتى تطرحه الصفعات المتتالية أرضاً وفي نهاية المطاف سيفقد الثقة والأمل بالنهوض من بعدها

والمسؤولية المترتّبة على علماء الشريعة اليوم كبيرة جداً .. إنّهم مطالبون بإعادة ثقة الناس بدينهم وبقدرته على مواءمة الواقع وقيادة المجتمع، ولا يكون ذلك من خلال خطب رنّانة تتلى على المنابر وتشحن عواطف الناس بعد الاستعانة بأمجاد الماضي والنصوص المقدّسة، لالا إن ذلك أشبه ما يكون بالتخدير!

ولعلّنا أولا نحتاج أن نكرّس بعض الجهد لإعادة ثقة الناس بعلماء الشريعة ابتداءً ..

لست أدعو إلى الثقة العمياء المبنيّة على الأوهام المريحة مع غضّ الطرف عن الحقيقة المرّة والواقع الأليم .. ولا أدعو كذلك للتشكيك بكل أحد والسير قدماً في دوّامات التخوين واستعداء الآخر

إن ما يجري في بلدنا -أو من المفترض أن يجري- هذه الفترة سعي حثيث لتخطي عقبة انعدام الثقة ومحاولات جادّة لتقليص الهوّة بين الأطراف جميعاً وفي أثناء ذلك ينبغي إدراك حجم التحديات المترافقة مع هذه المرحلة فكما ذكرتُ “الثقة خيط من حرير إذا انقطع يصعب وصله، بل هو آنية زجاجية إن تكسّرت ﻻ مجال لجبرها وإعادتها كما كانت”

ولبيان مدى ارتباط الثقة بمشاكلنا أطرح المثال التالي:

الغشّ ظاهرة متفشية في أوساط الطلبة والمتعلّمين في المدارس والجامعات، وقد عمل المصلحون على إلغاء هذه الظاهرة بشتى الوسائل فسلكوا لذلك طريق التوعية والتنبيه لخطورتها المجتمعية أوالتخويف من عقاب الله أو المراقبة المشدّدة أو .. ولم تفلح أيّ من هذه المسالك لأنها لم تعالج جذر المشكلة ابداً

لقد أفلح الكوريّون في تشخيص المشكلة والعلاج؛ كان الحل تعزيز ثقة الطالب بالعلم وأهميته في بناء كوريا فبلغ بهم الحال أن تكون الامتحانات الجامعية في المنزل، ولا حاجة لكتائب المدرسين المراقبين ولجان كشف أساليب الغش!

لقد استطاعوا الوصول لهذه الدرجة من الثقة بعد تربية الطالب على التعلّم حبّاً في العلم وإيماناً جازماً أنه السبيل الوحيد لنهضة كوريا

فيديو عن المثال –  http://goo.gl/tTyksK

Advertisements