جميل أن يكون للبلد طرقه الذاتية في تحديد أسلوب بناء الحياة في المجتمع بكل نواحيه بما فيها الناحية العلمية والحياتية، ولا مانع من التأثّر بطريقة ناجحة في ميدانٍ ما ومحاولة تقليدها على نحو قول الشاعر:

فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم … إنّ التشبّه بالكرام فلاح

لكن محاولة التقليد هذه لا ينبغي أن تكون على طريقة “السحب والإفلات”؛ أي أن نسقط المسألة بجزئياتها وتفاصيلها على مجتمعنا كما هي .. هذا النوع من التقليد أعمى بل وأصمّ وأبكم، وآثاره السلبية ومضارّه أكثر من أن تحصى الترهّل المجتمعي والذلّة والكسل والركود والجمود والانغلاق الفكري والسلوكي علماً وعملاً .. كلّها نتائج لهذا القليد الأبله

إنّ ما يصلح في مجتمع ما لا يعني بالضرورة أن يكون صالحاً في مجتمع آخر بنفس الطريقة بل قد يكون ضارّاً مدمّراً ولا يعني ذلك -كما أشرتُ بدايةً- أن ينطوي كل مجتمع على نفسه وينغلق على تجاربه الخاصّة، لا فلا يمكن بهذا الشكل أن تقوم حضارة إنسانية؛ فالحضارة خلاصة التجارب الإنسانية التي تأتي نتيجة تكامل خبرات الشعوب على امتداد البسيطة

مذ بدأت الحديث وفي جعبتي مثال أودّ طرحه بعد كلّ تلك المقدّمة

لا شكّ أن باب الاجتهاد في السياق الإسلامي كاد يغلق لعدم توفّر الاهليّة كما يزعم أهل العلم، وسبب ذلك أنّهم يشترطون اجتماع شروط الاجتهاد من دراسة عميقة لأكثر من مجال علمي ودراية شاملة وافية عن كلّ ما فيها ممّا يساعد على فهم المسألة المطروحة ومن الواضح أنّه من الصعوبة بمكان توفّر ذلك في رجل واحد مع قصر العمر وتوسّع أو تضخّم العلوم على هذه الشاكلة

كان للغرب تجربة ناجحة في حلّ هذا اللغز، لقد تغلّبوا على كثرة العلوم وتوسّعها بمفهوم “الاختصاص”

تمّ استنساخ التجربة في المشرق العربي كما هي فعانى الناس من الاختصاص شتى أنواع الألم، بينما هو نفسه سبب سعادة الغرب ورفاهيته .. السبب يعود للتقليد الأصمّ الأبكم لم يكلّف أحد خاطره بدراسة التجربة بشتى أبعادها وتفصيلاتها ليخرج منها بخلاصة يمكن إسقاطها وبحسب طبيعة البلد بما يحلّ الإشكال ولا يفاقم الأزمة

صرنا بين أمرين أحلاهما مرّ:

أما الأول فينادي بتعلُّم كل شيء والعودة إلى ما كان عليه علماء القرون الأولى من الموسوعيّة والشمول، وهذا ما لا يمكن تنجيزه في واقعنا فأغلقنا بذلك باب الاجتهاد وحرمنا أنفسنا العلم وقابلية التطور وصرنا خلف البلاد .. هناك في العالم الثالث -عشر- ! وأما الثاني فينادي بالتخصّص مع اجتزاء التجربة وتشويهها، وقد أفرز لنا ذلك “الأنصاف” فاكتوى الناس باجتهاداتهم القاصرة وأفكارهم المنحرفة المنقوصة، فخرجنا من الجهل البسيط إلى الجهل المركّب المعقّد والسبب في ذلك أن أهل الاختصاصات لم يجتمعوا -كما فعل الغرب- على مائدة واحدة ليتبادلوا خبراتهم ويناقشوا المسألة كلّ من زاويته ثمّ يخرجوا من ذلك بتصوّر شبه كامل وإجابة أقرب للصواب بعد أن تكاملت الخبرات في شتى الاختصاصات -أشبه بمنهجية المجامع-

نعم إن العلماء المختصين هناك تكاملوا كما لو أنّهم فرد واحد ليحققوا غاية واحدة؛ هي تقديم إجابات مدروسة دقيقة عن كل المسائل بما يخدم الوطن والمواطن .. هذه الندّية التعاونية البنّاءة السرّ وراء نجاحهم وتفوّقهم

بينما علماؤنا المختصون على تردّد آخر شيطاني بامتياز فهم لا يكتفون بالتباعد وعدم التناغم مع بعضهم بل إن الحروب الباردة والنزاعات الطويلة مشتعلة بينهم على نحو مهول! ترى الواحد فيهم يسعى -إن لم يستطيع الصعود فوق الجميع- أن يحطّم الجميع ويهدم بنيانهم ليعلوا بذلك بنيانه

كم من استاذ جامعي يتحدث عن زميله ويرميه بالتهم أثناء محاضرته ويكيد له خارجها؟! كم من طبيب أو مهندس همّه أن يكشف عورات زملائه ليظهر على أنّه التقيّ النقيّ بينهم؟! كم من عالم شرعي -او كما يطلق العامة عليه شيخ- يسعى جهده لغرس الحقد في نفوس مريديه على قرينه الشيخ، يحفر أحدهم للآخر بكل ما أوتي من مكر وخبث ودهاء؟! كم وكم؟! .. هذه الندّية الحربيّة الهدّامة السرّ وراء تقهقرنا وفشلنا

إن مفهوم الاختصاص لا يمكن أن يجتزأ فيُطبّق جزء ويهمل آخر، ينبغي دراسة المجتمع الغربي دراسة عميقة للإجابة على التساؤلات المطروحة لماذا نجحت التجربة عندهم وفشلت عندنا؟ لمَ كانوا متعاونين معاً وكنّا متناحرين ضدّاً؟ تستحق منّا هذه التجربة وقفة جادّة

إن لم نكن مبدعين فلنُعمل عقولنا قليلاً عندما نستنسخ إبداع غيرنا -على الأقل-!

Advertisements