قالوا قديماً : “اللي مالو كبير مالو تدبير”
أودّ الوقوف على مدلولات هذه العبارة وإسقاطاتها على واقعنا والبحث في مدى مصداقيتها وأهليتها للتطبيق
نعم إن الإنسان -أي إنسان- يمرّ في أطوار متعدّدة ومراحل متنوعة تتّسم عموماً بالتصاعدية.

فكلّما تقدّم بنا العمر زادت الخبرة ونضجت الأفكار وزادت دقّة وحساسية موازيننا للأشياء ولذا فإن المرء -وبشكل طبيعي- يتخلّى عن أفكار ويبدّل أفكاراً أخرى ويثبّت ما وصل إلى صحّته وهذه الحركة تشير إلى سلامة الفرد فكريّاً وسلوكياً.

ولما كانت مرحلة الشباب تغلب عليها سمة التسرّع والحماس كان لا بدّ لها من حكمة وتؤدة تقوّمها وتضبط حميّتها وهنا دور الكبار، وأعني بالكبير أي صاحب الخبرة والتجربة الذي أنضجته الحياة وخمّرته فصارت الكلمة منه بمثابة كتاب من غيره!

كل هذه مقدّمة لموضوع دقيق يتعرّض له كل أحد خصوصا في المراحل المبكّرة وفي بداية الطريق ألا وهو (التبعيّة)
الناس في زماننا على نمطين:

أحدهما: تنكّر المرء لمعلّمه ومربّيه وأهله وكل من له فضل عليه والعمل الحثيث على إثبات الذات والاعتداد بها والتسمّي باسم الحقّ وادّعائه ويدعم ذلك واقع سقطت فيه كلّ الرموز -أو أُسقِطت- وكذلك أدوات أتاحت الوصول للجماهير بشكل ميسور وغير مكلف.

والثاني: الانضواء تحت راية أحد الرموز فهم يسمعون بأذنه وينظرون بعينه ولسان حاله ينطق عليهم بـ “ما أريكم إلا ما ارى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” وترى هذا الصنف عديم الرأي لم تتكون لديه الملامح الرئيسية لشخصيته، لقد سمح لنفسه أن يكون ذيلاً وقد خلقه الله رأساً، سمح لغيره أن يحتلّه، أن يتحكّم به، أن يسحره ..
ويدعم هذا الطريق كسل الناس وجهلهم ودعاةُ ضلّوا وأضلّوا!

ما ذكرته سابقاً كان بمثابة الأبيض والأسود وبينهما درجات لا حصر لها من الرمادي
فقد يظنّ القارئ أنني أسرد عليه أصنافاً نادرة الوجود في مجتمعنا .. لكنني أعرض ذلك بعد تعرية كل طرف وكشف الزيف عن العناوين البرّاقة والأشكال اللامعة.

ولتقريب الأمر أذكر ما يلي:
كم من أستاذ يسعى جهده لجعل تلامذته نسخاً مكرّرة منه فتجده حريصاً كل الحرص ألا يقع أحدهم على كتاب يخالف منهجه؟!
كم من أبٍ يخاف أن يحيد ابنه عن الطريق الذي رسمه له؟!
كم من صديق يحاول جاهداً أن يطوي أصدقاءه تحت مسمّاه هو وأن يحمّل نفسه أعباء مستقبلهم وسلوكياتهم وما ذاك إلا وهم صنعته له نفسه على عين من شيطانه؟!
كم وكم في مجتمعنا من امثال هذه النماذج التي تفسد في النشء بل وتخرّج للبلد أجيالاً من الكتل اللحمية الخاوية على عروشها لا تلمس فيها كياناً حرّا ولا ترى فيها فكراً ومنطقاً، تهارش على الشكل وخواء تامّ في المضمون، ثم تراهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً؟!

لعلّ قائلاً يقول : إنّ هذا من باب التربية ووضع الشيء في نصابه فحرص المدرّس إنما هو من حبّه لطلابه وكذلك الأب والصديق .. وما هذا إلا وهم فوق الوهم ليجمّل العمل ويزيّنه!

لكل إنسان بصمة خاصة، نكهة خاصّة بل ورائحة خاصّة فلنحترم أنفسنا والآخرين ولا نحاول المساس بخصوصياتهم

وما أنا عليه -وأحسب أنه صواب- هو:
إنني لا أنكر فضل أحدٍ عليّ صغيراً كان أو كبيراً ولا أستح من ذكر فضله ولا أعتبر ذلك نقصاً بل هو واجب منوط بي وحقّ كلّفني الله بتأديته لا يقلّ درجةً عن برّ الوالدين، لكنّني مع ذلك فرد لي كياني وشخصيتي ورأيي الذي أملكه وحدي ولا أسمح لأحد أن يحسبني عليه ويبتلعني كما يفعل الثقب الأسود!

إياك أن تكون ثقباً أسوداً، فالعظيم من يشعر الناس حين يجالسونه أنّهم عظماء؛ يشعرهم بقيمتهم ولا يمسّ كيانهم ولا يخدش تكوينهم الشخصي، فالتنكّر للفضل بؤس والتبعيّة الماحقة بؤس و”اللي مالو كبير مالو تدبير”

أقرأُ لكلّ أحد وأسمع كلّ أحد ولا أنتمي لأيّ أحد، وممّا لا ريب فيه أنّ المرء يعيش حياته مؤثّراً ومتأثّراً بما ومن حوله، أنت يا إنسان مركز هذا الكون فكن في جوهرك كذلك.

Advertisements