خرجتُ من نفسي أعتزم النظر إلى مجريات الأحداث من فوق، فخرجت من ذلك بقصّة تحكي ” في ظلال نهضة “


المشهد الأول:

في ظلّ سلسلة من أمواج التساؤلات المتلاطمة على شاطئ الحيرة والفراغ الذهني، تسللت من نفسي بحثاً عن إجابة كاملة لأحدها على الأقل، إجابة تختلف عن تلك التي توافيني بها نفسي حينما أسأل، إجابة ليس فيها شيء من معاني السلبية كالسكون والسكوت والخمول

هربت منها صاعداً جبلاً ألتمس فيه الهدى كما فعل موسى لمّا رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى

تلك النفس اللعينة ما فتئت تلاحقني وهي تجرّ بحر خميس من أفكار راكدة ضقت بها ذرعاً، كأنها وهم فرعون وجنوده!

شرعت في الصعود يحملني على ذلك خوف وأمل، خوف مما يلاحقني وأمل بما ينتظرني

وكان ما كان ولم يذهب جهدي هباءً، إذ لمحت من بعيد رجلاً لم أر في حياتي قط أحدا يجاريه في هيبته ووقاره

فرحت به وحفلت برؤيته كما فعل موسى يوم التقى بالخضر

وقفت بين يديه ألهث من شدة التعب وما إن نبستُ بأول حرف من عبارات الشرح والبيان حتى أشار عليّ بشفتيه والبنان ففهمت أنها علامة التروّي والاطمئنان، ثم امتدّت يدٌ بيضاء إلى صدري فنفثت فيه كلّ أنواع الحب والحنان فهدأ من ذاك روعي وذهب عني ما ألمّ بي

ثم ذكرتُ ما كان يلاحقني فعاد الخوف والوجل، أين المفرّ منها يا ترى ؟!

أول ما خطر لي أمرين من عالم المعجزات
أولها بحر يطبق عليهم كما فعل بفرعون وجنوده، ثانيها سدّ من زبر الحديد كالذي حجز يأجوج ومأجوج
أين أنا من هذه الخوارق ؟! ليس في يدي عصا موسى ولا بأس ذي القرنين

ثم سمعت صوتاً حنوناً أثار في داخلي جلبة وضجيجا يقول:
لابدّ لك من المواجهة، قم يا بنيّ أعلمك فنون القتال في هذه الحرب، وكفاك هرباً وخوفاً

لقد كان صوت ذا الشيبة الحكيم

قلت له مستبشراً -بعد أن رميت كل الشكوك خلفي ظهريّا-:

وهل جئت يا سيدي إلا من أجل هذه الغاية، غير أنني أخشى ألا تستطيع معي صبراً، فزادي قليل في هذه الرحلة الطويلة

فأجابني والبسمة ترتسم على وجهه المتلألئ:

لا عليك يا بنيّ؛ انا مستعد لبذل كل تضحية لأجلك فهذه المعركة معركتنا ولا يسعنا إلا أن ننتصر فيها أو نموت دون ذلك

وما يضيرنا أن نحاول ويكفينا ذلك عذراً أمام الله وشرفاً أمام الناس

إذن هلمّ يا سيدي إلى العمل فخير البرّ عاجله

أجل يا ولدي، خذ نفساً عميقاً فمشوارنا شاقّ طويل ولتكن مطيتك لبلوغ المأرب ثلاث: ثبات وتروّ ويقين


المشهد الثاني .. قريباً

Advertisements